خفضت محكمة بداية السلط بصفتها الاستئنافية عقوبة اردنية من الحبس لمدة ثلاث سنوات الى ستة اشهر، بعد ادانتها بجرم الافتراء، على خلفية شكوى تقدمت بها ضد رجل كانت تعمل في منزله، قبل ان تعود في اليوم التالي وتقر امام الجهات المختصة بان ما ورد في شكواها لم يكن صحيحا.
وجاء القرار الصادر مؤخرا عن محكمة بداية السلط بصفتها الاستئنافية، واطلع عليه موقع “صوت عمان”، بعد نظر الاستئناف الذي تقدمت به المحكوم عليها ضد قرار محكمة صلح جزاء السلط الصادر بتاريخ 21/7/2026، والقاضي بحبسها مدة ثلاث سنوات والرسوم عن جرم الافتراء خلافا للمادة 210/1 من قانون العقوبات.
وتعود تفاصيل القضية الى شكوى تقدمت بها المحكوم عليها لدى قسم حماية الاسرة والاحداث، نسبت فيها الى صاحب المنزل الذي كانت تعمل لديه ارتكاب افعال قالت انها تشكل تحرشا جنسيا بحقها، قبل ان تعود في اليوم التالي الى الجهة الامنية نفسها وتقرر انكار اقوالها السابقة، مؤكدة ان ما ذكرته عن الرجل لم يكن صحيحا.
شكوى بتحرش جنسي ثم تراجع في اليوم التالي
وبحسب تفاصيل القرار القضائي، الذي اطلع عليه موقع “صوت عمان”، فقد احيلت المحكوم عليها الى محكمة صلح جزاء السلط لمحاكمتها عن جرم الافتراء، بعد ورود كتاب من مديرية الامن العام ممثلة بادارة حماية الاسرة والاحداث، تضمن تفاصيل الواقعة التي بدأت بتقدمها بشكوى ضد الرجل الذي كانت تعمل لديه كخادمة.
وتشير وقائع القضية الى ان المحكوم عليها تقدمت بتاريخ 23/6/2026 بشكوى لدى قسم حماية الاسرة والاحداث في مواجهة الرجل، وادعت انه تحرش بها خلال فترة عملها في منزله.
وبحسب ما ورد في افادتها الاولى، قالت المحكوم عليها ان الرجل الذي تعمل لديه تحرش بها جنسيا، وفي آخر شهر 12 من عام 2025 قام بمسكها من يدها وقال لها “انتي حلوة بدي …” وكان ذلك داخل غرفة نومه .. وفي يوم آخر وأثناء عملها داخل منزل الرجل قام بمغازلتها وقال لها بالحرف الواحد “جسمك حلو وانتي حلوة” وقامت بعد ذلك بالعودة الى منزلها وقام بتكرار نفس الفعل أكثر من مرة، الامر الذي دفعها الى طلب الادعاء بحقه.
وتوضح المحكمة ان المحكوم عليها لم تكتف بواقعة واحدة في شكواها، بل تحدثت عن تكرار التصرفات التي نسبتها الى الرجل، وهو ما شكل اساسا للبلاغ الذي قدمته لدى ادارة حماية الاسرة والاحداث.
الا ان مسار القضية تغير في اليوم التالي، عندما عادت المحكوم عليها الى المركز الامني ذاته، وقدمت افادة جديدة قالت فيها ان الرجل لم يتحرش بها، وان جميع اقوالها السابقة غير صحيحة.
وبحسب الافادة الجديدة، اقرت المحكوم عليها بانها اختلقت الشكوى بهدف الضغط على الرجل ودفعه الى التنازل عن شكوى سرقة كان قد تقدم بها ضدها.
وكان الرجل قد تقدم بشكوى سرقة ضدها، تتعلق بحسب ما ورد في شهادته بمبالغ مالية ومصاغ ذهبي، وقدرت قيمة المسروقات بنحو 3000 دينار، فيما كانت هذه الشكوى لا تزال منظورة امام القضاء.
واعتبرت المحكمة ان هذا التراجع السريع عن الاقوال، وما رافقه من اقرار بسبب تقديم الشكوى، شكل عنصرا اساسيا في اثبات القصد الجرمي لدى المحكوم عليها.
المحكمة: الافتراء ثبت والمدة القانونية خفضت العقوبة
وبينت المحكمة ان جريمة الافتراء المنصوص عليها في المادة 210/1 من قانون العقوبات تتحقق عندما يقدم شخص شكوى او اخبارا كتابيا الى السلطة القضائية او الى جهة ملزمة بابلاغ السلطة القضائية، وينسب الى شخص اخر جنحة او مخالفة وهو يعلم براءته منها، او يختلق ادلة مادية تدل على وقوع الجريمة.
واوضحت المحكمة، وفق رصد موقع “صوت عمان”، ان الجريمة تقوم على عدد من العناصر، من بينها وجود سلوك جرمي يتمثل بعزو جنحة او مخالفة الى شخص من خلال شكوى او اخبار، وان تقدم الشكوى الى جهة مختصة، وان يكون الفعل المنسوب الى الشخص يشكل جريمة يعاقب عليها القانون.
كما اشارت الى عنصر جوهري اخر يتمثل في علم مقدم الشكوى ببراءة الشخص الذي وجهت اليه الاتهامات، مؤكدة ان جريمة الافتراء من الجرائم القصدية التي تتطلب العلم والارادة.
وبحسب المحكمة، فان مجرد عدم صحة الشكوى لا يكفي وحده لقيام جرم الافتراء، بل يجب ان يثبت ان مقدمها كان يعلم ببراءة الشخص الذي اتهمه، وان ارادته اتجهت الى تقديم البلاغ مع علمه بعدم صحة ما ينسبه اليه.
وفي هذه القضية، رأت المحكمة ان هذه العناصر تحققت من خلال البينات المقدمة، وفي مقدمتها افادات منظمي الضبط وشهادة المشتكي، اضافة الى ما اعتبرته المحكمة اقرارا صادرا عن المحكوم عليها نفسها امام المرجع القضائي.
واشارت المحكمة الى ان منظمي الضبط شهدوا على واقعة تقديم الشكوى الاولى، ثم على عودة المحكوم عليها في اليوم التالي وتراجعها عن اقوالها، فضلا عن بيان السبب الذي دفعها بحسب افادتها الى تقديم الشكوى من البداية.
واعتبرت المحكمة ان هذه البينات جاءت متساندة وكافية لبناء حكم الادانة، وردت بذلك دفوع المحكوم عليها التي قالت فيها ان بينات النيابة العامة كانت متناقضة وغير كافية لاثبات جرم الافتراء.
كما رفضت المحكمة الدفع المتعلق بتعرض المحكوم عليها لضغوط وتهديدات داخل ادارة حماية الاسرة، والتي قالت انها دفعتها الى تغيير اقوالها والتنازل عن شكواها.
واعتبرت المحكمة ان هذا الدفع بقي مجرد قول مرسل لم تقدم المحكوم عليها دليلا عليه، مشيرة الى ان منظمي الضبط اثبتوا في شهاداتهم ان الافادة التي تراجعت فيها عن شكواها اخذت منها بطوعها واختيارها، ودون تعرضها لاي ضغوط.
ولفت القرار الى ان المحكوم عليها، وبعد افهامها بحقوقها وفق المادة 175 من قانون اصول المحاكمات الجزائية، لم تقدم بينة تثبت تعرضها للتهديد او الضغط، الامر الذي دفع المحكمة الى رد هذا السبب من اسباب الاستئناف.
وبناء على ذلك، ايدت محكمة بداية السلط بصفتها الاستئنافية قرار الادانة الصادر عن محكمة صلح جزاء السلط، وقررت ان جرم الافتراء ثابت بحق المحكوم عليها.
الا ان المحكمة لم تؤيد العقوبة التي قضت بها محكمة الدرجة الاولى والبالغة ثلاث سنوات، واعتبرت ان هناك نصا قانونيا يوجب تخفيض العقوبة في حالة محددة.
وبيّنت المحكمة ان المادة 210/1 من قانون العقوبات تحدد عقوبة الافتراء بالحبس من اسبوع الى ثلاث سنوات، بحسب اهمية الاسناد.
وفي المقابل، اشارت الى المادة 211 من قانون العقوبات، التي تقرر عذرا قانونيا لمن يرجع عن اخباره او افترائه قبل اجراء الملاحقة، بحيث يحكم عليه بسدس العقوبة المنصوص عليها، بينما يطبق تخفيض مختلف في حال الرجوع بعد بدء الملاحقة القانونية.
ورأت المحكمة ان هذا العذر القانوني ينطبق على القضية، كون المحكوم عليها عادت عن اخبارها قبل اجراء اي ملاحقة بحق الرجل الذي وجهت اليه الاتهامات.
وبالتالي، اعتبرت المحكمة ان محكمة الدرجة الاولى اخطأت عندما اغفلت تطبيق اثر هذا العذر القانوني عند تحديد العقوبة.
وبحسب الحساب الذي اورده القرار، فان العقوبة التي كانت قد حددت بثلاث سنوات جرى تخفيضها الى سدسها، لتصبح ستة اشهر.
وعليه، قررت محكمة بداية السلط بصفتها الاستئنافية رد الاستئناف من ناحية الادانة وتاييد الحكم بثبوت جرم الافتراء، وقبول الاستئناف من ناحية العقوبة وفسخ الحكم المستأنف بهذا الجزء فقط.
وقضت المحكمة، وفق رصد موقع “صوت عمان”، بالحكم على المحكوم عليها بالحبس مدة ستة اشهر والرسوم، مع احتساب مدة التوقيف والتنفيذ، بدلا من عقوبة السنوات الثلاث التي صدرت عن محكمة صلح جزاء السلط.
كما قررت تسطير مذكرة محكومية جديدة بالمدة المعدلة، وهي ستة اشهر والرسوم، مع احتساب مدة التوقيف والتنفيذ، واعادة اوراق القضية الى مصدرها.
وبذلك انتهت القضية قضائيا في مرحلتها الاستئنافية الى تثبيت مسؤولية المحكوم عليها عن جرم الافتراء، مع تخفيض مدة العقوبة من ثلاث سنوات الى ستة اشهر بسبب رجوعها عن الافتراء قبل اجراء الملاحقة بحق الشخص الذي اتهمته.
