خاص
أعادت قضية تنفيذية شهدت إيقاع الحجز على أموال وموجودات شركة عاملة في قطاع التأجير التمويلي، من بينها آلاف المركبات وأراض وعقارات وحسابات وأرصدة، فتح ملف أوسع من حدود القضية ذاتها، يتعلق بمصير حقوق المواطنين عندما تكون الأصول محل الإجراءات التنفيذية مرتبطة بعقود تأجير تمويلي أو تمويل قائم مع عملاء.
ولا تتعلق المسألة هنا باسم الشركة أو بأطراف القضية، بقدر ما تتعلق بسؤال جوهري يستحق إجابة واضحة من الحكومة: ماذا يحدث للمواطن الذي يستخدم مركبة أو ينتفع بعقار بموجب عقد تمويلي، إذا تعرضت الشركة المالكة أو الممولة لإجراء تنفيذي على أصولها؟
هل تصل آثار الحجز إلى المواطن؟
في حالات التأجير التمويلي، قد تكون المركبة أو الأصل مسجلاً باسم الشركة الممولة في الكثير من الأحيان، بينما المواطن هو الطرف الذي يسدد الأقساط وينتفع بالأصل بموجب عقد قائم.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة القانونية والعملية التي لا تخص حالة واحدة فقط، وإنما يمكن أن تنطبق مستقبلاً على شركات التأجير التمويلي أو البنوك أو الجهات التي تمول شراء المركبات والعقارات.
فإذا صدر قرار بالحجز التنفيذي على أصل مرتبط بعقد قائم مع مواطن، هل يؤثر الحجز على حق المواطن في الانتفاع بالأصل؟
وهل يستطيع طالب التنفيذ اتخاذ إجراءات على أصل مرتبط بعقد تمويلي قائم دون أن تتأثر حقوق المستأجر أو العميل؟
وفي حال ترتب على الإجراءات التنفيذية بيع الأصل أو التصرف فيه، من يتحمل مسؤولية حماية حقوق المواطن الذي دفع جزءاً كبيراً من قيمة الأصل أو التزم بأقساط لسنوات؟
وهل توجد آلية واضحة وسريعة لإبلاغ العملاء المتأثرين بأي إجراء من هذا النوع، وتحديد حقوقهم والتزاماتهم، ومنع تحول النزاع بين شركتين أو مؤسستين ماليتين إلى مشكلة يتحمل المواطن تبعاتها؟
المشكلة ليست في الحجز.. بل في ما بعد الحجز
الحجز التنفيذي إجراء قانوني له أصوله وضوابطه، لكن الإشكالية التي تستحق البحث هي تداخل الإجراءات التنفيذية مع حقوق أطراف أخرى ليست طرفاً في النزاع الأصلي.
فالمواطن الذي اشترى مركبة من خلال تمويل، أو دخل في عقد تأجير تمويلي، لا يفترض أن يكون معنياً بالنزاع المالي بين الشركة الممولة ودائن آخر، ولا يفترض أن يجد نفسه فجأة أمام حالة غير واضحة بشأن المركبة التي يستخدمها أو الأقساط التي يسددها أو العقد الذي وقعه.
وهنا تبرز الحاجة إلى تحديد الفاصل القانوني بدقة بين أموال الشركة المدينة، وبين الحقوق التي نشأت للغير بموجب عقود صحيحة وسارية.
والسؤال الأهم: هل تكفي إجراءات الحجز التقليدية عندما تكون الأصول المحجوزة مرتبطة بآلاف العقود مع المواطنين؟ أم أن طبيعة هذه الأصول تستدعي آلية حماية إضافية؟
ولا تأتي هذه التساؤلات من فراغ؛ فقد شهد السوق في سنوات سابقة حالات ومشكلات مرتبطة بجهات عاملة في تجارة المركبات، أثارت مخاوف لدى مواطنين بشأن مصير المركبات والأقساط والالتزامات عندما تتعرض الجهة التي تقف خلف العملية لمشكلة مالية أو قانونية.
ماذا عن البنوك ووكلاء السيارات؟
المسألة لا يجب أن تتوقف عند شركات التأجير التمويلي.
فقطاع السيارات اليوم يرتبط بشبكة واسعة من البنوك وشركات التمويل والوكلاء والمعارض والمواطنين، وقد يكون الأصل الواحد مرتبطاً بأكثر من علاقة تعاقدية وتمويلية.
ومن هنا، فإن أي تعثر مالي أو نزاع قانوني كبير لدى جهة رئيسية في هذه المنظومة قد يفتح الباب أمام سلسلة من الإشكالات التي لا تظهر آثارها مباشرة، فهل توجد تعليمات تلزم الشركات بإدارة مخاطر الأصول والعقود المرتبطة بعملائها بطريقة تضمن عدم انتقال مخاطر الشركة إلى المواطن؟
وأيضاً، ما الوضع القانوني للمواطن الذي ينتفع بأصل بموجب عقد تأجير تمويلي إذا صدر حجز تنفيذي على أموال الشركة المالكة للأصل؟
هل يتأثر العقد القائم بمجرد توقيع الحجز، أم تبقى حقوق العميل محمية وفقاً للعقد والتشريعات؟
وفي حال بيع الأصل المحجوز تنفيذاً لحكم قضائي، ما مصير عقد المواطن؟
وكيف يجري التعامل مع آلاف الأصول المرتبطة بعقود تمويلية عند اتخاذ إجراء تنفيذي واسع؟
المطلوب هنا من الحكومة، ليس تعطيل حق الدائن في التنفيذ، ولا التدخل في أحكام القضاء أو الإجراءات القانونية، وإنما ضمان ألا يتحول النزاع بين الأطراف التجارية أو المالية إلى أزمة بالنسبة للمواطن الذي لا علاقة له بالنزاع.
