تتصاعد حدة التوترات بين المغرب واسبانيا نتيجة تراكمات تاريخية وجغرافية معقدة تطفو على السطح مع كل موجة هجرة جديدة نحو ثغري سبتة ومليلية، حيث تتقاطع مطالب السيادة الوطنية مع واقع الضغوط الامنية الحدودية. واظهرت الاحداث الاخيرة ان ملف الهجرة لا يزال ورقة ضغط حساسة في العلاقات الثنائية، خاصة عندما تبتعد مدريد عن المقاربة المغربية بخصوص ملف الصحراء، مما يعيد فتح ملفات قديمة تعود جذورها لعقود مضت.
واكد خبراء ومحللون ان استمرار الجدل حول السيادة على المناطق الحدودية يمثل جزءا من عبء التاريخ الذي يثقل كاهل العلاقات بين الجارين، مشيرين الى ان الاستقرار في المنطقة يظل رهينا بتفاهمات سياسية عميقة تتجاوز مجرد الادارة الامنية للحدود. واضاف مراقبون ان اسبانيا تجد نفسها دائما في مواجهة تحديات مزدوجة، حيث تحاول الحفاظ على سيادتها المتوارثة منذ قرون بينما تسعى في الوقت نفسه لضبط تدفقات بشرية غير مسبوقة تضعها تحت مجهر الاتحاد الاوروبي.
وبينت التحليلات السياسية ان الرباط تعي تماما ثقل موقعها الجيوسياسي، وتستخدم هذا الواقع بذكاء في مفاوضاتها مع مدريد، وهو ما يفسر تقلبات العلاقات بين مد وجزر. واوضح اكاديميون ان المطالبات الدولية بإنهاء الاستعمار في بعض الجيوب تعد مقاربات تفتقر للواقعية السياسية، مؤكدين ان التداخل التاريخي يجعل من الصعب فصل المصالح الاسبانية عن محيطها الجغرافي المباشر الذي يمثله المغرب كشريك استراتيجي لا غنى عنه.
مسؤولية اسبانيا امام الضغوط الاوروبية
وتواجه مدريد ضغوطا سياسية متزايدة من شركائها في الاتحاد الاوروبي الذين طالبوا بعقد اجتماعات طارئة لتنسيق مواقفهم، وهو ما كشفته الرسائل المفتوحة الموجهة لوزراء الداخلية الاوروبيين. واضافت المصادر ان اسبانيا سعت الى طمأنة بروكسل عبر تأكيد سيطرتها على الاوضاع الميدانية، مشيرة الى اعادة اعداد ضخمة من المهاجرين الى الاراضي المغربية في وقت قياسي بعد تدفقهم الكثيف نحو سياج سبتة الحدودي.
اقرأ أيضا :
وشدد رئيس الحكومة الاسبانية بيدرو سانشيز على ضرورة الدفاع عن سياسة الهجرة الوطنية، محذرا من ان المواقف العدائية لبعض الدول الاوروبية قد تضر بالاهداف الجماعية للاتحاد على المدى الطويل. واوضح سانشيز ان الارقام المسجلة لا تبرر المطالب المتطرفة التي دعت اليها بعض العواصم الاوروبية، مشيرا الى ان اسبانيا تستقبل نسبا اقل بكثير من المهاجرين مقارنة بدول اخرى مثل ايطاليا ودول البلقان التي تعاني من ضغوط مشابهة.
واكدت التقارير ان حالة القلق سادت العواصم الاوروبية مما دفع فرنسا وايطاليا لتشديد الرقابة على الحدود، حيث ضاعفت باريس قواتها الامنية بشكل ملحوظ لمنع اي تداعيات امنية محتملة. وبينت القراءات القانونية ان دعوات تعليق عضوية اسبانيا في اتفاقية شنغن تظل مجرد مقترحات سياسية يصعب تنفيذها عمليا، خاصة في ظل غياب سوابق قانونية لمثل هذه الاجراءات المتطرفة داخل المنظومة الاوروبية الموحدة.
تبعات سياسية وتحديات اليمين المتطرف
وتعيش الاحزاب التقليدية في اوروبا مخاوف من تنامي شعبية اليمين المتطرف، حيث تستغل هذه التيارات صور تدفق المهاجرين للترويج لخطابها المعادي للاجانب، وهو ما يظهر جليا في فرنسا وايطاليا والنمسا. واضاف محللون ان نظرية الاستبدال التي يروج لها بعض الزعماء المتطرفين اصبحت تجد صدى لدى فئات واسعة من الناخبين الذين يخشون على هويتهم الثقافية والاجتماعية في ظل استمرار موجات الهجرة غير الشرعية عبر المتوسط.
وكشفت التصريحات الرسمية الاسبانية عن حرص مدريد على عدم تحميل المغرب اي مسؤولية مباشرة عن الاحداث، واصفة الرباط بالشريك الموثوق الذي يسهم بفعالية في استقرار المنطقة. واكد وزير الداخلية الاسباني ان التعاون الوثيق مع الجانب المغربي كان المفتاح الحقيقي للسيطرة على الوضع الميداني خلال ساعات قليلة، نافيا بذلك الشائعات التي حاولت تصوير المغرب كطرف مهدد لامن اسبانيا الاستراتيجي.
وختاما، تبقى التحديات الميدانية قائمة، حيث سارعت السلطات في سبتة لتركيب حواجز احتواء اضافية في البحر لمنع تكرار عمليات العبور الجماعي. واوضح المسؤولون المحليون ان الوضع لا يزال يتطلب حذرا شديدا، مؤكدين ان استدامة الامن في هذه المناطق الحدودية الحساسة تعتمد على استمرار التنسيق الامني والسياسي بين الرباط ومدريد لتجاوز الازمات الطارئة.
