كشف تقرير اممي ودراسة محلية حديثة عن وجود ارتباط وثيق بين ضعف اليات الرقابة في ليبيا وتنامي نفوذ التشكيلات المسلحة داخل مؤسسات الدولة، وذلك في ظل واقع سياسي وامن مضطرب تعيشه البلاد.
واظهر تقرير لجنة الخبراء التابعة للامم المتحدة ان جماعات مسلحة وكيانات نافذة تمكنت، عبر واجهات سياسية، من التغلغل داخل مؤسسات الدولة، مستخدمة ادوات تتراوح بين العنف المسلح والتاثير السياسي والضغط الاقتصادي، الامر الذي ادى الى تكريس نفوذها داخل بنية الدولة.
وبين التقرير ان هذه التشكيلات المسلحة استخدمت ادوات العنف دون مساءلة، مما مكنها من تعزيز تدفق مكاسبها واتاح لها الافلات من العقاب، كما اجبرت مؤسسات الدولة على العمل في بيئة تكرس نفوذ هذه الجماعات وتضعف اليات المساءلة، مما يعزز هيمنتها على الدولة.
تغلغل الفساد في مفاصل الدولة الليبية
واكد ابو عجيلة سيف النصر، عضو الحوار المهيكل الذي ترعاه البعثة الاممية حاليا، ان ما ورد في تقارير لجنة الخبراء بشان الفساد في ليبيا يتسق مع الواقع، وقال ان هذه الافة وجدت بيئة خصبة في ظل الانقسام السياسي وفوضى السلاح ونفوذ التشكيلات المسلحة.
واضاف سيف النصر ان الاجهزة الرقابية دفعت جزءا كبيرا من فاتورة الانقسام السياسي والعسكري وتزايد نفوذ المجموعات المسلحة.
وبين ان ما تكشفه التقارير الدورية لهذه الاجهزة الرقابية لا يعكس الحجم الحقيقي للفساد في ليبيا، لافتا الى ان وقائع الفساد المرصودة من ديوان المحاسبة تبقى حبيسة الادراج دون مسار قضائي فعلي.
تحصين المؤسسات الرقابية ضرورة ملحة
وسبق ان شددت البعثة الاممية على ضرورة تحصين المؤسسات الرقابية من اي نفوذ سياسي او تدخل من تشكيلات مسلحة، وذلك خلال لقاء نائبتا المبعوثة الاممية في طرابلس مع رئيس ديوان المحاسبة.
وتستشعر احزاب ليبية خطورة ما ورد في تقرير فريق الخبراء المعني بليبيا، الذي كشف عن تشابك بين السلطة وحملة السلاح والاقتصاد غير المشروع، واعتبر التحالف الليبي لاحزاب التوافق الوطني ذلك نمط حكم موازيا تدار فيه الموارد خارج الاطر القانونية وتتآكل فيه ادوات الرقابة.
وعلى مدار السنوات الماضية، تعرض ديوان المحاسبة الليبي لاقتحامات متكررة من قبل ميليشيات مسلحة دون اجراءات ردع كافية، بل خطف احد مديري ديوان المحاسبة عام 2020 وسط اتهامات متبادلة بين الديوان ووزارة الداخلية بشان عرقلة اعمال الرقابة.
تحديات تواجه الرقابة في ليبيا
وفي ظل الانقسام السياسي، تتركز تقارير ديوان المحاسبة في طرابلس على غرب البلاد، بينما لا تنشر تقارير عن فرعه في الشرق الخاضع لسلطة الجيش الوطني الليبي.
لكن تقرير فريق الخبراء التابع للامم المتحدة اشار الى ان حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة والجيش الوطني استخدما اليات مرتبطة بتهريب النفط في سياقات تتصل بالتمويل والتسليح.
ويصف مدير المركز الليبي للتنمية المستدامة هذه الممارسات بانها فساد بقوة السلاح، عادا ان هذا النمط الهجين الذي يتداخل فيه النفوذ المسلح للميليشيات مع المصالح الاقتصادية والسياسية بات احد ابرز العوائق امام عمل الاجهزة الرقابية وسببا رئيسيا في تعطل مسارات الاصلاح وبناء الدولة.
مخاطر مستقبلية تهدد ليبيا
ويحذر مدير المركز الليبي للتنمية المستدامة من مخاطر مستقبلية، منها تهديد وحدة الدولة عبر ترسيخ مراكز قوى موازية للسلطة الشرعية، وتآكل فجوة الثقة بين المواطن والدولة، واعاقة الاستثمار والتنمية الاقتصادية، اضافة الى تعزيز اقتصاد الظل وتغذية شبكات غير رسمية تتحكم في الموارد.
وسبق ان اطلقت حكومة غرب ليبيا استراتيجية لمكافحة الفساد في نهاية عام 2024، وتشير تقارير دولية الى تراجع ترتيب البلاد في مؤشر مدركات الفساد.
وخلصت دراسة اكاديمية في جامعة فزان بجنوب ليبيا حول معوقات اداء الرقابة الى ان الانقسام وعدم الاستقرار السياسي يضعفان استقلالية العاملين بديوان المحاسبة ويؤثران سلبا على ادائهم.
ويتفاقم القلق مع نذر انقسام القضاء الليبي منذ نهاية العام الماضي، مع تشظيه بين مجلسين في طرابلس وبنغازي، مما يثير مخاوف من ضعف قبضته في مكافحة الفساد.
ويرى مدير المركز الليبي للتنمية المستدامة ان التحدي الرئيسي يتمثل في استعادة سيادة القانون بوصفه المرجعية الوحيدة لادارة الشان العام، مشددا على ضرورة توحيد المؤسسات السيادية وفك الارتباط بين السلاح والاقتصاد وتمكين القضاء من ملاحقة قضايا الفساد وتوسيع الشفافية عبر رقمنة المعاملات الحكومية للحد من التدخلات.
