في ظل المساعي الحالية للتوصل إلى اتفاق شامل مع إيران، يواجه الرئيس الامريكي دونالد ترمب تحديات كبيرة ناتجة عن قرارات اتخذها قبل ثماني سنوات، وتحديدا قراره بإلغاء ما وصفه بـ"الاتفاق المروع وأحادي الجانب".
الاتفاق الذي ابرم في عهد الرئيس الامريكي السابق اوباما، كان يعاني من بعض الثغرات والعيوب، وكان من المقرر ان ينتهي بعد خمسة عشر عاما، مما كان سيسمح لإيران بإنتاج ما تشاء من الوقود النووي بعد عام 2030، ولكن بعد انسحاب ترمب من الاتفاق في عام 2018، بدأت إيران في تخصيب اليورانيوم بوتيرة اسرع، مما جعلها اقرب إلى امتلاك قنبلة نووية.
يتعامل المفاوضون الامريكيون اليوم مع تبعات هذا القرار الذي اتخذه ترمب على الرغم من اعتراض العديد من مستشاريه للأمن القومي في ذلك الوقت.
تحديات تواجه المفاوضين
تركز الاهتمام مؤخرا على نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب، والذي يعتبر اقل بقليل من المستوى المستخدم في صنع القنابل الذرية، ويعتقد ان معظم هذه الكمية مدفونة في مجمع انفاق قصفه ترمب في شهر يونيو الماضي، ومع ذلك، فان هذه الكمية التي تبلغ 440 كيلوغراما من وقود القنابل المحتمل، لا تمثل سوى جزء من المشكلة.
يقول المفتشون الدوليون اليوم ان إيران تمتلك ما مجموعه 11 طنا من اليورانيوم بمستويات تخصيب مختلفة، ومع مزيد من التنقية، يمكن استخدام هذه الكمية لبناء ما يصل إلى 100 سلاح نووي، وهو ما يزيد عن الحجم التقديري للترسانة الإسرائيلية.
تراكم هذا المخزون بشكل كبير في السنوات التي تلت تخلي ترمب عن اتفاق اوباما، ويعود ذلك إلى ان طهران تخلت عن تعهدها بشحن 12.5 طن من مخزونها الإجمالي إلى روسيا، مما ترك مصممي الأسلحة الإيرانيين بكمية قليلة من الوقود النووي لا تكفي لصنع قنبلة واحدة.
مفاوضات شاقة
يشكل تحقيق هذا الإنجاز الدبلوماسي أو تجاوزه تحديا معقدا يواجهه ترمب ومفاوضوه الرئيسيون، صهره جاريد كوشنر، ومبعوثه الخاص ستيف ويتكوف.
يدرك ترمب تماما ان أي اتفاق يمكن ان يتفاوض عليه مع الإيرانيين سيقارن بما حققه اوباما قبل اكثر من عقد، وبينما يتبادل الطرفان المقترحات، فقد يخرجان خاليي الوفاض، الا ان ترمب بدا بالفعل يحكم على اتفاقه الذي لم يتم التفاوض عليه بعد، بأنه "افضل".
وكتب ترمب على حسابه على منصة اكس، ان الاتفاق الذي يتم التفاوض عليه مع إيران سيكون افضل بكثير، واضاف ان اتفاق اوباما كان طريقا مضمونا لسلاح نووي، وهو ما لن يحدث في الاتفاق الذي نعمل عليه.
قضايا عالقة
استنادا إلى اهداف ترمب المتغيرة في الصراع مع إيران، يواجه كوشنر وويتكوف قائمة شاقة من موضوعات التفاوض، والتي فشل فريق اوباما في معالجتها، فعليهم إيجاد طريقة للحد من قدرة إيران على إعادة بناء ترسانتها من الصواريخ، علما ان اتفاق 2015 لم يتناول قدرة إيران الصاروخية، وتجاهلت طهران قرارا للأمم المتحدة فرض قيودا.
يجب عليهم إيجاد وسيلة لتنفيذ تكليف ترمب بحماية المتظاهرين المناهضين للنظام، والذين وعد ترمب بمساعدتهم في يناير الماضي عندما نزلوا إلى الشوارع، وفي الواقع، كانت تلك الاحتجاجات من بين محفزات الحشد العسكري الامريكي الذي ادى في النهاية إلى هجوم 28 فبراير الماضي.
يتعين عليهم التفاوض على إعادة فتح مضيق هرمز الذي اغلقه الإيرانيون بعد الهجمات الامريكية والإسرائيلية، وهي خطوة لم يكن ترمب مستعدا لها، واكتشفت إيران ان بضعة الغام قليلة التكلفة وتهديدات للسفن منحتها نفوذا هائلا على الاقتصاد العالمي، وهو ضغط يمكن رفعه او خفضه بطرق لا تستطيع الأسلحة النووية تحقيقها.
البرنامج النووي في صلب المفاوضات
يبقى مصير البرنامج الذري في صلب المفاوضات، وكما في محادثات 2015، يعلن الإيرانيون ان لديهم "حقا" في التخصيب بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وهو حق يرفضون التخلي عنه، لكن ذلك لا يزال يترك مجالا لـ "تعليق" كل الجهود النووية لعدد من السنوات، وكان نائب الرئيس جي دي فانس قد طالب بـ 20 عاما عندما التقى محاوريه الباكستانيين قبل اسبوعين، ليعلن ترمب بعد ايام ان الفترة الصحيحة هي "غير محدودة".
قال وليام بيرنز، الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات المركزية والذي ادى دورا رئيسيا في مفاوضات عهد اوباما، ان الاتفاق الجيد يتطلب عمليات تفتيش نووية صارمة، وتعليقا ممتدا لتخصيب اليورانيوم، وتصدير مخزون طهران الحالي من اليورانيوم المخصب او تخفيفه، مقابل تخفيف ملموس للعقوبات.
دعا بيرنز إدارة ترمب إلى تحديد كل بند بوضوح، وقال انه ما لم ترسم الخطوط بوضوح وتراقب بصرامة، فسيرسم الإيرانيون خارجها.
تاريخ من التجاوزات
هذا ما حدث عندما انسحب ترمب من اتفاق اوباما عام 2018، ولم يضع شيئا مكانه، في ذلك الوقت، لم تكن إيران تملك ما يكفي من اليورانيوم لقنبلة واحدة، ثم بدأت التخصيب بشراسة.
تحدث ترمب علنا عن غارة محتملة للاستيلاء على نصف طن من المواد الإيرانية القريبة من درجة صنع القنبلة، والتي يمكن ان تصنع نحو 10 اسلحة، لكنه لم يتحدث عن المخزون الإجمالي البالغ 11 طنا، والتهديد الذي يشكله للولايات المتحدة وحلفائها.
في اتفاق عهد اوباما، منع الإيرانيون من تخصيب الوقود إلى مستوى نقاء يتجاوز 3.67 في المائة، وهو مستوى كاف لتزويد المفاعلات النووية بالطاقة المدنية، وحدد المخزون الكامل للبلاد بنحو 660 رطلا، وكان يفترض ان تبقى القيود قائمة 15 عاما، حتى 2030، لكن سمح للإيرانيين بمواصلة التخصيب المنخفض المستوى، وبنوا اجهزة طرد مركزي اكثر كفاءة.
ثغرات الاتفاق القديم
تبين ان تلك الثغرة هيأت لهم وضعا جيدا لما حدث بعد ان مزق ترمب الاتفاق بعد 3 سنوات واعاد فرض العقوبات الاقتصادية، فرد الإيرانيون بتجاوز كل تلك الحدود.
في اوائل عام 2021، وقبل وقت قصير من مغادرة ترمب منصبه، اعادت إيران العمل بهدفها رفع مستوى التخصيب إلى 20 في المائة.
ادى انفجار غامض إلى انقطاع الكهرباء في نطنز، وهو مجمع التخصيب الرئيسي في إيران، وحمل مسؤولون إيرانيون التخريب الإسرائيلي المسؤولية عنه، وردوا برفع جزء من مخزونهم إلى مستوى 60 في المائة، في اكبر قفزة في تاريخ برنامجهم للتخصيب، وكان ذلك على مسافة شعرة من اعلى درجة عسكرية.
توسع مستمر
من اوائل 2021 إلى اوائل 2025، حاولت إدارة بايدن، من دون نجاح، التفاوض على قيود جديدة، وطوال المفاوضات، واصلت إيران التخصيب، موسعة مخزونها من وقود الـ 60 في المائة.
في يونيو الماضي، قصف ترمب منشآت التخصيب الإيرانية في نطنز وفوردو، وكذلك انفاق تخزين اليورانيوم ومنشآت اخرى في اصفهان، واعلن ان البرنامج النووي ابيد.
رسميا، كانت الحكومة الامريكية اكثر تحفظا، قائلة ان البرنامج تراجع، لكن اذا كانت عملية مطرقة منتصف الليل قد شلت بالفعل كثيرا من البنية التحتية الذرية لإيران، فان إدارة ترمب قالت القليل او لم تقل شيئا عن بقاء مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، الذي قدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية بنحو 10.9 طن، مع مستويات نقاء تتراوح من 2 في المائة إلى 60 في المائة.
تهديد حقيقي
كان ويتكوف احد المسؤولين القلائل الذين ناقشوا الامر، اذ وصف المخزون بانه تحرك نحو التسليح، انه السبب الوحيد الذي يجعلك تملكه، واضاف ان إيران يمكنها تحويل وقودها الاعلى تخصيبا إلى نحو 30 قنبلة.
بينما تركز النقاش العام على ما اذا كان يمكن لفريق كوماندوز امريكي استعادة نصف طن من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى 60 في المائة، فان خبراء نوويين يقولون ان طهران يمكنها تحويل كامل الـ 11 طنا إلى وقود قنابل، اذا تمكنت من تشغيل اجهزة طرد مركزي جديدة، ربما تحت الأرض، لرفع مستويات التخصيب.
قال ادوين لايمان، الخبير النووي في اتحاد العلماء المهتمين، ان مخزون إيران يمكن ان ينتج نحو 35 إلى 55 سلاحا، اعتمادا على مهارتها في صنع ليس فقط قلب الوقود في القنبلة، بل ايضا الاجزاء غير النووية مثل المفجرات التي تطلق التفاعلات المتسلسلة.
توصل توماس كوكران، خبير الأسلحة النووية الذي كتب دراسة مؤثرة عن مستويات التخصيب، إلى ان مخزون إيران يكفي لصنع من 50 إلى 100 قنبلة اذا جرى تخصيبه اكثر.
بالنسبة إلى الولايات المتحدة، يمثل موقع المخزون البالغ 11 طنا حالة غموض كبرى، اما بالنسبة إلى إيران، فهو نفوذ سياسي.
قال غاري سامور، الذي قدم المشورة للبيت الأبيض في عهد اوباما بشأن برنامج إيران النووي، انه نعم، لقد قتل كثير من كبار علمائهم، لكنهم لا يزالون يملكون القدرة الصناعية الاساسية لإنتاج اسلحة نووية اذا قرروا القيام بذلك.
