يتصدر مشروع قانون الضمان الاجتماعي المشهد في الاردن، وسط جدل واسع وخلافات بين الحكومة ولجنة العمل النيابية، في وقت تشير فيه المعطيات الى ان اللجنة قد تعيد صياغة معظم المواد المقترحة في القانون بنسبة تصل الى 90 بالمئة، ما يضع الملف في مرحلة مفصلية.
هذا الجدل لا يقتصر على قبة البرلمان، بل امتد ليشمل خبراء اقتصاد ونقابات وموظفين ومتقاعدين، نظرا لان اي تغيير في هذا القانون سينعكس مباشرة على الامان المالي والاجتماعي للمواطنين، ويحدد شكل الحماية الاجتماعية لسنوات طويلة قادمة.
لقاءات مكثفة وخلافات مستمرة بين الحكومة والنواب
عقدت لجنة العمل النيابية سلسلة اجتماعات، تخللتها لقاءات مباشرة مع رئيس الوزراء ووزير العمل وعدد من الوزراء، في محاولة لتقريب وجهات النظر حول مشروع القانون.
ورغم هذه الاجتماعات، لا تزال الخلافات قائمة، خاصة حول مواد حساسة تتعلق بسن التقاعد ونسب الاقتطاع والتقاعد المبكر، حيث تصر اللجنة على ادخال تعديلات جوهرية، وترفض تمرير بعض النصوص كما وردت من الحكومة.
هذا التباين يعكس عمق الفجوة بين الرؤية الحكومية التي تركز على الاستدامة المالية، والرؤية النيابية التي تضع حماية المشتركين في المقام الاول.
تعديلات واسعة: توسيع المظلة وادخال فئات جديدة
كشف رئيس لجنة العمل النيابية اندريه الحواري عن حزمة تعديلات كبيرة تستهدف معالجة اختلالات في نظام الضمان، مع توسيع قاعدة المشتركين بشكل غير مسبوق، ومن ابرز هذه التعديلات:
شمول المكافات والبدلات لكبار المسؤولين والموظفين ضمن مظلة الضمان
ادخال اكثر من 100 الف عامل في خدمات التوصيل والمنصات الرقمية
تثبيت نسبة الاقتطاع عند 2 بالمئة بدلا من رفعها الى 4 بالمئة
اقتطاع جزء من رواتب الفئات العليا لدعم استدامة الصندوق
تطوير مفهوم اجازة الامومة ليشمل الاسرة بالكامل وليس الام فقط
هذه التعديلات تهدف الى تحقيق عدالة اكبر بين المشتركين، ورفع قيمة الرواتب التقاعدية مستقبلا، مع تقليل الفجوات داخل النظام.
المنصات الرقمية تدخل رسميا تحت مظلة الضمان
من ابرز النقاط التي لاقت اهتماما واسعا، التوجه لشمول العاملين في الاقتصاد الرقمي ضمن قانون الضمان، بعد سنوات من بقائهم خارج المظلة.
وتشير التقديرات الى ان هذا القرار سيشمل اكثر من 100 الف عامل، وهو ما يمثل خطوة مهمة لانهاء حالة الاستثناء، وتقليل الخسائر المالية التي تكبدها الضمان نتيجة عدم شمول هذه الفئة.
كما يعكس هذا التوجه استجابة للتغيرات في سوق العمل، الذي بات يعتمد بشكل متزايد على الوظائف غير التقليدية.
سن التقاعد والتقاعد المبكر: جوهر الخلاف
يعد ملف سن التقاعد من اكثر القضايا اثارة للجدل، حيث ترفض كتل نيابية عدة رفعه الى 65 عاما، معتبرة ان ذلك سيؤثر سلبا على فرص العمل وعلى الاستقرار الوظيفي.
كما يبرز ملف التقاعد المبكر كاحد اكثر النقاط حساسية، خاصة فيما يتعلق بنسبة الخصم السنوي على الراتب التقاعدي، وعدد الاشتراكات المطلوبة، وشروط الاستحقاق.
وتطالب اطراف نيابية بالابقاء على نسب الخصم الحالية، ورفض اي توجه لتشديد شروط التقاعد المبكر بشكل مبالغ فيه.
مقترحات تفصيلية تمس الرواتب التقاعدية
تشمل التعديلات المقترحة بنودا دقيقة تتعلق بطريقة احتساب الرواتب التقاعدية، من بينها:
تحديد سقف الزيادة في متوسط الاجر المحتسب للتقاعد المبكر بنسبة 80 بالمئة
وضع حد ادنى لا يقل عن 20 بالمئة لضمان العدالة
تخفيض الراتب التقاعدي بنسبة 2 بالمئة عن كل سنة قبل السن القانونية
منح زيادات اضافية في حال وجود معالين
داخل مجلس النواب، برز انقسام واضح حول توقيت اقرار القانون، حيث دعا بعض النواب الى تاجيله لمنح المزيد من الوقت للنقاش.
وحذر نواب من ان تمرير القانون بشكل متسرع قد يؤدي الى نتائج سلبية، خاصة انه يمس جميع فئات المجتمع، ويتطلب دراسة معمقة لكل مادة من مواده.
في المقابل، يرى اخرون ان تاخير القانون قد يعيق جهود الاصلاح المالي ويؤخر معالجة الاختلالات القائمة.
كتل نيابية ترفض الصيغة الحالية
اعلنت عدة كتل نيابية مواقف واضحة من مشروع القانون، حيث اكدت رفضها للصيغة الحالية القادمة من الحكومة.
كتلة الميثاق
ترى ان التعديلات يجب ان تحافظ على الحقوق المكتسبة، وترفض رفع سن التقاعد، وتطالب باعتماد دراسات دقيقة قبل اقرار اي تغيير.
كتلة الاتحاد والاصلاح
قدمت مقترحات تفصيلية، من بينها تحديد سن التقاعد عند 62 عاما، ووضع سقف واضح لعدد الاشتراكات المطلوبة، مع التحذير من تراجع القوة الشرائية للمتقاعدين.
كتلة العمل الاسلامي
اكدت ضرورة اصلاح الادارة وتحسين الاستثمار، بدلا من تحميل المواطنين اعباء اضافية، مع التمسك بحماية حقوق المشتركين.
ويرى خبراء ان جوهر المشكلة لا يكمن فقط في نسب الاقتطاع او سن التقاعد، بل في ادارة استثمارات الضمان.
ويؤكدون ان تحسين العوائد الاستثمارية يمكن ان يحقق استدامة مالية دون الحاجة الى تقليص الحقوق او زيادة الاعباء على المشتركين.
هذا الطرح يلقى دعما واسعا داخل المجلس، ويعتبر من اهم محاور النقاش الحالية.
لماذا اصبح القانون قضية راي عام؟
لم يعد قانون الضمان مجرد تشريع مالي، بل تحول الى قضية راي عام، بسبب تاثيره المباشر على حياة المواطنين.
فالضمان يمثل شبكة الامان الاخيرة، واي خلل في توازنه قد يؤدي الى فقدان الثقة في النظام، وهو ما يفسر حجم الجدل الواسع حول التعديلات.
كما ان الظروف الاقتصادية الحالية تزيد من حساسية الملف، وتجعل المواطنين اكثر قلقا من اي تغييرات قد تمس حقوقهم.
الحوار الوطني: الطريق نحو الحل
في ظل هذا الجدل، تتجه الانظار نحو الحوار الوطني كمسار رئيسي للوصول الى صيغة توافقية.
وتجري حاليا جلسات مكثفة بمشاركة خبراء ومسؤولين سابقين، بهدف صياغة قانون متوازن يحقق الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية وحماية الحقوق المكتسبة. وسيحدد نجاح هذا الحوار بشكل كبير مستقبل القانون ومدى قبوله شعبيا.
وستكون الايام المقبلة حاسمة، حيث سيحدد مجلس النواب مصير مشروع القانون، بين اقراره بصيغة معدلة او تاجيله لمزيد من الدراسة.
ويقف قانون الضمان الاجتماعي اليوم عند نقطة توازن دقيقة، بين الحاجة الى اصلاحات تضمن استدامة الصندوق، وبين ضرورة حماية حقوق المشتركين والمتقاعدين.
