لم تعد غزة مجرد ساحة حرب، بل أصبحت تواجه أبعادا جديدة من الخطر، حيث تتفاقم أزمة البيئة الملوثة وانتشار القوارض والحشرات، وتتكاثر النفايات في الشوارع ومحيط أماكن النزوح، مما يعكس انهيارا في أبسط مقومات الحياة.
يعيش السكان في ظل ضيق المكان، وحرارة الطقس، وبرد الشتاء، وغياب خدمات النظافة، على تماس يومي مع مصادر الأمراض، وفي واقع قاس تتآكل فيه الحدود بين المأساة الإنسانية والكارثة الصحية، مما يترك آلاف العائلات لمواجهة خطر صامت يتسلل إلى تفاصيل يومهم ولياليهم.
لم يعد هذا الخطر مجرد احتمال بعيد، بل بات واقعا ملموسا يتجسد في حوادث صادمة طالت الكثيرين، فبين الخيام ومكبات النفايات، يجد النازحون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع هذه الكائنات، وذلك في ظل غياب الحماية والرعاية الكافية، ومنع الاحتلال الاسرائيلي ادخال المبيدات والمواد اللازمة لمكافحة الآفات، لتتحول المعاناة اليومية إلى تهديد حقيقي للحياة.
القصص المؤلمة تتكشف
برزت خلال الأسبوع الماضي قصة الطفل الرضيع آدم الأستاذ، الذي تعرض لنهش من جرذ داخل خيمته في مدينة غزة، وهو لم يتجاوز شهره الأول، قبل أن ينقل إلى المستشفى حيث يرقد اليوم لتلقي العلاج بعد نجاته من تسمم كاد يودي بحياته.
وتروي والدته تفاصيل اللحظة قائلة: استيقظت على صراخه في ظلام الخيمة، وحين اضاءت الكشاف فوجئت بوجهه مغطى بالدماء، أيقظت والده، وبعد البحث داخل الخيمة وجدنا جرذا كبيرا تحت الطاولة، وحينها أدركنا أنه تعرض لعضة.
لم تكن قصة هذا الطفل الأولى في قطاع غزة، اذ تكشف شهادات متطابقة عن حوادث مشابهة لم تحظ بالاهتمام الكافي.
صرخات الغزيين تتعالى
في موازاة ذلك، تتصاعد شكاوى الغزيين عبر منصات التواصل الاجتماعي من انتشار القوارض والحشرات والبراغيث بشكل لافت ومخيف، خاصة في مخيمات النزوح، في ظل تفاقم أزمة النفايات.
وقال ناشطون ان القطاع يشهد وضعا انسانيا بالغ الخطورة، مع تفاقم غير مسبوق في انتشار القوارض والحشرات السامة والبعوض، خاصة داخل المخيمات، وذلك في ظل ظروف معيشية قاسية وانعدام ابسط مقومات الحماية.
واضافوا ان الازمة تتجلى ايضا في رصد حيوانات مؤذية مثل ابن عرس، الى جانب العثور المتكرر على حشرات سامة قرب الاطفال اثناء النوم، مما يثير حالة من الذعر بين النازحين.
تحذيرات من كارثة صحية وبيئية
وأشار آخرون إلى تزايد مقلق في الاصابات بالامراض خلال الفترة الاخيرة، وسط تسجيل حالات وفاة غير واضحة الاسباب، مما يفاقم القلق بين السكان وينذر بكارثة صحية وبيئية متصاعدة.
وعبر مغردون عن تفاقم المعاناة، مؤكدين ان الواقع في غزة بات يفوق الوصف قسوة، حيث كتب احدهم: القوارض والحشرات في مخيمات قطاع غزة صارت تهديدا حقيقيا وليست مجرد ازعاج.
في حين قال اخر: القوارض اتلفت الملابس والمواد الغذائية، وانتشارها غير طبيعي.
أسباب تفاقم الأزمة
وربط مغردون انتشار القوارض بتراكم الجثث تحت الانقاض وفي الشوارع، نتيجة منع ادخال المعدات اللازمة لانتشالها أو الوصول إلى بعض المناطق، مما يسرع من تحللها ويجذب الحشرات والقوارض، مهددا بتفشي امراض واوبئة.
كما اشار ناشطون الى ان تكدس النفايات ومنع نقلها الى مكباتها المخصصة، الى جانب تلوث المياه واختلاطها بالصرف الصحي، فاقم من حجم الكارثة البيئية، وجعل كثيرا من المناطق غير صالحة للعيش.
ومنذ اندلاع الحرب الاسرائيلية على القطاع عقب عملية طوفان الاقصى في 7 اكتوبر، تمنع قوات الاحتلال البلديات من الوصول الى مكبات النفايات الرئيسية القريبة من السياج الامني المحيط بالقطاع من الناحية الشرقية.
نداءات استغاثة للمجتمع الدولي
وناشدت بلدية غزة المنظمات الدولية والإنسانية التدخل الفوري والعاجل لمساعدة البلدية في توفير المبيدات والمواد اللازمة لمكافحة الحشرات والقوارض الضارة، وذلك في ظل انعدام هذه المستلزمات منذ بداية الحرب على قطاع غزة في اكتوبر وعدم توفرها في السوق المحلية.
حذر وزير الصحة الفلسطيني ماجد أبو رمضان من تفاقم المخاطر الصحية في قطاع غزة نتيجة الانتشار الواسع للقوارض، في ظل التدهور البيئي الحاد الناجم عن الدمار وتراكم الركام والنفايات غير المعالجة.
وأوضحت الوزارة ان الظروف الحالية تشكل بيئة خصبة للفئران والجرذان، مما يزيد من احتمالية تفشي امراض خطيرة مثل فيروس هانتا، الطاعون، داء البريميات، السالمونيلا، والتولاريميا، سواء عبر العض او الفضلات او الطفيليات الناقلة كالبراغيث والقراد.
ودعا الوزير منظمة الصحة العالمية وكافة الجهات الصحية الدولية إلى التدخل العاجل، من خلال إدخال مواد مكافحة القوارض وتعزيز إجراءات الوقاية، خاصة مع وجود أكثر من مليون مواطن يعيشون في ظروف هشة، بما في ذلك الأطفال والرضع الذين تتضاعف مخاطر إصابتهم بالأمراض وسط تفشي سوء التغذية وتسجيل آلاف حالات الإعاقات الدائمة جراء الحرب.
كما شدد على ضرورة تحمل المجتمع الدولي مسؤولياته الإنسانية لتحسين الحماية الصحية والظروف المعيشية في القطاع.
