في ظل الصراعات الدائرة، تتكشف فصول من المعاناة الإنسانية في قطاع غزة وإقليم دارفور، حيث تتشابه القصص في عمق المأساة رغم اختلاف الجغرافيا، إذ يرسم تقريران صحفيان صادران عن كل من نيويورك تايمز وواشنطن بوست صورة قاتمة عن مصير المدنيين العالقين بين آلات الحرب.
بينما تتصدر أخبار النجاة العناوين، تبقى الحقيقة المرة هي أن المدنيين، وخاصة الأطفال والنساء، يدفعون الثمن الأكبر في هذه النزاعات، حيث تتحول المستشفيات إلى ساحات للموت في غزة، وتصبح أجساد النساء ساحات معارك في السودان، وسط عجز دولي عن وقف هذا النزيف.
في غزة، يركز تقرير نيويورك تايمز على رحلة عودة 11 طفلا فلسطينيا ولدوا خدجا خلال القصف المكثف، ليجدوا أنفسهم في وطن تحول إلى ركام.
فراق وآمال
تبرز قصة الطفلة بيسان، التي عادت إلى والدتها في غزة بعد عامين من الفراق في مصر، كرمز للأمل الممزوج بالألم، إذ تنقل الصحيفة عن الأم قولها إن ابنتها ارتمت في أحضانها بشكل غريزي، رغم أن ذكرياتها عن وجه أمها كانت ضئيلة بسبب الحصار.
هؤلاء الأطفال، الذين أُخرجوا من مستشفى الشفاء تحت القصف الإسرائيلي، يمثلون شهادة حية على ما وصفه المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بعملية إجلاء خطيرة للغاية.
وتؤكد نيويورك تايمز أن المستشفى، الذي كان من المفترض أن يكون مكانا آمنا، تحول إلى ساحة مواجهة أدت إلى وفاة العديد من المواليد بسبب نقص الكهرباء والرعاية، مما يضع التزام المجتمع الدولي بحماية المنشآت الطبية على المحك.
جرائم مروعة
في السودان، ينقل تقرير واشنطن بوست صورة مروعة عن استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب ضد النساء والفتيات في إقليم دارفور.
وتكشف منظمة أطباء بلا حدود عن فظائع ترتكبها قوات الدعم السريع، واصفة هذه الممارسات بأنها تكتيكات متعمدة.
وتنقل الصحيفة شهادة امرأة من شمال دارفور، تؤكد أن الناجيات يحتجن إلى العلاج النفسي وحماية حقوق الإنسان بعد ما شاهدنه من أهوال.
تشابه المأساة
أوضحت غلوريا إندريو، القابلة في منظمة أطباء بلا حدود، أن الأرقام الموثقة للاعتداءات، والتي بلغت الآلاف، هي مجرد جزء صغير من الواقع، حيث تمنع القيود الأمنية والوصمة الاجتماعية العديد من الضحايا من الوصول إلى المراكز الصحية.
الرابط بين غزة والسودان يتجاوز الجغرافيا، فهو يكمن في انهيار منظومات الحماية الأساسية.
يروي الدكتور أحمد الفرا من غزة كيف تحاول المستشفيات التعرف على والدي طفل عاد من مصر بعد أن فقدت عائلته في الحرب.
تواطؤ دولي
تذكر واشنطن بوست بأن النساء في دارفور يواجهن الحمل القسري نتيجة الاغتصاب الجماعي، مشيرة إلى أن قوات الدعم السريع تتبع نمطا يصفه محققو الأمم المتحدة بأنه يحمل سمات الإبادة الجماعية.
في الوقت ذاته، تذكر نيويورك تايمز بأن عودة الأطفال إلى غزة ليست نهاية المعاناة، بل هي بداية لحياة في خيام النزوح وسط دمار واسع النطاق، إذ يتساءل الآباء عن مستقبل أطفالهم الذين لم يعودوا يعرفون معنى كلمة "ماما".
وتختتم واشنطن بوست تقريرها بالإشارة إلى التواطؤ الدولي والصراعات الجيوسياسية التي تغذي حرب السودان، من تجارة الذهب إلى إمدادات السلاح.
مستقبل مجهول
وتختتم نيويورك تايمز بالتأكيد على أن كل طفل عاد إلى غزة يحمل معه ندوبا لا ترى، سواء كانت في حاسة الإبصار أو الذاكرة المشوهة.
ويخلص التقريران إلى أن هذه الحروب تشترك في كونها حروبا منسية أو مهملة من حيث التدخل الفعلي لحماية الإنسان.
فبين بكاء الأمهات في غزة وصراخ الضحايا في دارفور، يظل العالم يراقب من بعيد، مكتفيا بإحصاء الجثث وتوثيق الشهادات.
في حين تستمر دورة العنف في طحن جيل كامل من الأطفال والنساء الذين لم يختاروا أن يكونوا جزءا من هذه الصراعات، لكنهم وجدوا أنفسهم يدفعون ثمنها من أجسادهم وأرواحهم ومستقبل أوطانهم الضائع بين الركام والدماء.
