وسط دوي آلات الحفر. يواصل عمال في غزة مهمة شاقة. أسطوانة حديدية تخترق الأرض بحثا عن الماء. انها رحلة نحو تخفيف وطأة العطش عن النازحين الذين أنهكتهم الحرب. فمع كل ضربة. تتسع بقعة الطين حول الحفرة الضيقة. معلنة عن أمل جديد يلوح في الأفق.

صوت المعدن يجلجل في المكان. بينما يتحرك العمال بتناغم لرفع المواسير وتثبيتها. يلحمون الأجزاء دون توقف. في سباق مع الزمن لتأمين قطرة ماء تروي ظمأ المحتاجين. يتدفق الماء ليُليّن التربة. بينما يغوص الأنبوب المعدني عميقا. باحثا عن الخزان الجوفي على بعد 60 مترا.

كل لحظة هنا تعني الاقتراب أكثر من الماء. يراقب النازحون تطورات الحفر بأمل. هذا المشهد الذي لم يكن مألوفا قبل الحرب. أصبح ضرورة ملحة في ظل أزمة المياه الخانقة التي تسببت بها العمليات العسكرية وتدمير شبكات المياه.

حرفة تجلب الحياة

في حي تل الهوا جنوبي مدينة غزة. تستمر عملية حفر البئر بتمويل من مؤسسة خيرية دولية. و يتقاسم العمال الأدوار حول الحفرة. ف عامل يتحكم بالأنبوب الذي يخترق الأرض. وآخرون يجهزون المواسير. فيما ينشغل فريق باللحام لتثبيت الأنابيب بدقة.

العمل هنا متعب. ويتطلب خبرة عالية. و أي خطأ قد يعرقل كل شيء. و يقول حمزة فلفل. وهو مقاول في مجال حفر الآبار: "نحن نحفر آبار مياه لإخواننا النازحين. في ظل انقطاع المياه. العمل يتم في ظروف معقدة. مع نقص حاد في الوقود والمواد الخام وقطع الغيار".

و يضيف فلفل أنهم يواجهون صعوبات في توفير السولار وأسياخ اللحام وقطع الغيار. مبينا أن هم يجاهدون كي لا يتوقفوا. لأن الحاجة كبيرة جدا. و يوضح أن تكلفة حفر البئر الواحد تصل إلى نحو 15 ألف دولار. وهو مبلغ يصعب تأمينه. و يشير إلى أن عمليات الحفر تتم غالبا بتمويل من مؤسسات خيرية.

تكلفة باهظة وإمكانيات محدودة

و يضيف حمزة فلفل -في حديثه للجزيرة نت- "نواجه صعوبة كبيرة في توفير كل شيء: السولار. أسياخ اللحام. وحتى قطع الغيار.. نجاهد كي لا نتوقف. لأن الحاجة كبيرة جدا".

و يوضح أن تكلفة حفر البئر الواحد تصل إلى نحو 15 ألف دولار. وهو مبلغ يصعب تأمينه. مبينا أن "كثير من مراكز الإيواء تتواصل معنا. لكن المشاريع لا تتم بسبب نقص التمويل".

و يشير إلى أن عمليات الحفر تتم غالبا بتمويل من مؤسسات خيرية تعمل على تحسين مستوى معيشة النازحين.

بئر واحدة تغيّر حياة الآلاف

حفر بئر مياه واحدة يمكن أن يغيّر حياة مئات. بل آلاف النازحين. عبر توفير مصدر ثابت للمياه يخفف عنهم عبء البحث اليومي عنها.

في مركز إيواء "سند" وسط مدينة غزة. حيث يقيم نحو ألف نازح داخل خيام متلاصقة. كان هذا التحوّل واضحا.

فقبل حفر البئر. لم يكن في المكان أي مصدر ثابت للمياه. فقد اعتمد السكان على صهاريج متنقلة تصل بشكل غير منتظم. أحيانا مرة أو مرتين فقط في الأسبوع. وهو ما لم يكن كافيا لتغطية احتياجاتهم الأساسية.

المياه لم تكن للشرب فقط. بل لكل تفاصيل الحياة اليومية: التنظيف. الاستحمام. وغسل الملابس. ومع غيابها. كان السكان يضطرون إلى قطع مسافات طويلة. حاملين عبوات ثقيلة على أكتافهم. لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم.

و يقول رامز جندية. أحد أعضاء فريق إدارة المركز. إن الأوضاع. قبل حفر البئر. كانت "سيئة للغاية". في ظل هذا النقص الحاد. موضحا أن إدارة المركز لجأت إلى طلب تمويل لحفر بئر داخل الموقع.

بئر يلبي الحاجة

و بعد حفر البئر. تغيّر الوضع بشكل ملحوظ. بحسب جندية الذي يضيف "أصبحنا نشغّله لعدة ساعات يوميا. ونوفر المياه للسكان لاستخداماتهم الأساسية".

و يقول إن أثر البئر لم يقتصر على سكان مركز "سند" فقط. بل امتد ليشمل مخيمات ومناطق مجاورة تعاني من شح شديد في المياه. موضحا أن إدارة المركز عملت. بعد تشغيل البئر. على وضع خزان مياه خارج حدود المخيم. بحيث يكون متاحا للأهالي في المناطق القريبة.

و يتابع جندية "لاحظنا أن الحاجة لا تقتصر علينا. فهناك عائلات ومخيمات قريبة تعاني من الأزمة نفسها. لذلك قررنا وضع خزان خارجي ليتمكن من يريد من تعبئة المياه بسهولة". و يشير إلى أن هذا الإجراء ساهم في تخفيف الضغط على مصادر المياه المحدودة في المنطقة. وخلق نوعا من التكافل بين السكان.

قيود سقطت تحت ضغط الحرب

في الظروف الطبيعية. يخضع حفر الآبار في قطاع غزة لقيود صارمة تفرضها السلطات الحكومية. لحماية الخزان الجوفي ومنع التلوث. لكن هذه القواعد تغيّرت.

و يقول المدير العام لسلطة المياه وجودة البيئة في غزة. مازن البنا. إن الجهات المختصة تغض الطرف عن عمليات حفر الآبار. نظرا لأن "الناس بحاجة إلى الماء. والبلديات لا تستطيع تقديم الخدمة بشكل كامل".

و يشير -في تصريح خاص للجزيرة نت- إلى أن آبار البلديات تعمل جزئيا بسبب نقص الوقود. في حين تضاعف الضغط مع تزايد أعداد النازحين.

ورغم مخاطر الحفر العشوائي للآبار. مثل التلوث. وتسرب مياه البحر جراء استنزاف الخزان الجوفي. أو التأثير على آبار قائمة. فإنه "لا يمكننا منع الناس من تأمين احتياجاتهم الأساسية في ظل ظروف الحرب". وفقا لمازن البنا.

لكنه يؤكد أن الجهات المختصة. ستعمل عقب عودة الاستقرار للقطاع على تنظيم عملية حفر الآبار. بهدف حماية البيئة والصحة العامة.

أرقام تعكس حجم الأزمة

وتشير تقديرات رسمية فلسطينية إلى أن متوسط إمدادات المياه في بعض مناطق قطاع غزة انخفض خلال الحرب إلى ما بين 3 و5 لترات للفرد يوميا. وهو مستوى أقل بكثير من الحد الأدنى اللازم للبقاء على الحياة البالغ 15 لترا للفرد يوميا. وفق المعايير الإنسانية الدولية.

وقال بيان مشترك أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. وسلطة المياه الفلسطينية. بمناسبة يوم المياه العالمي. الذي يصادف 22 مارس/آذار من كل عام. إن أكثر من 85% من مرافق المياه والصرف الصحي في قطاع غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي بعد أكتوبر/تشرين الأول 2023. مما أدى إلى انهيار شبه كامل في منظومة إدارة مياه الصرف الصحي.

وبحسب البيان. فقد نتج عن ذلك انتشار المياه العادمة في المناطق السكنية. وارتفاع مخاطر التلوث البيئي. وزيادة الأمراض المنقولة بالمياه.

انعكاسات قلة المياه

وذكر بيان الإحصاء أن السكان لا يحصلون على خدمات صرف صحي مُدارة بأمان. مع تعرض نحو 57% منهم لمياه الصرف الصحي على مسافة تقل عن 10 أمتار من مساكنهم.

وقد انعكس هذا الوضع -بحسب البيان المشترك- في ارتفاع ملحوظ للأمراض. بما في ذلك تضاعف حالات الإسهال المائي الحاد. وازدياد الأمراض الجلدية والطفيليات. خاصة في ظل كون الأطفال دون سن 15 عاما يشكلون نحو 39% من سكان غزة.

وأشار البيان المشترك إلى أن 15% من الأسر اعتمدت خلال عام 2025 على الأطفال كمُجمِّعين رئيسيين للمياه. وأن 77% من الأسر تعتمد على صهاريج نقل المياه كمصدر رئيسي.

تأثير مباشر على صحة المرأة

وتطرق بيان الجهاز المركزي للإحصاء وسلطة المياه إلى تأثير أزمة المياه والصرف الصحي على فئة النساء.

وفي هذا الصدد. ذكر أن النقص الحاد في المياه يُقيِّد قدرة النساء والفتيات على الحفاظ على النظافة الشخصية. ويؤثر على الصحة الإنجابية. ويقوّض الخصوصية في مراكز الإيواء. ويزيد مخاطر التعرض للعنف والمخاطر أثناء البحث عن المياه أو استخدام مرافق غير آمنة.

ولفت إلى أن ذلك يزيد الأعباء الصحية والاجتماعية على الأسر. خصوصا الأمهات. مضيفا أن نحو 700 ألف امرأة وفتاة في القطاع يواجهن صعوبات كبيرة في إدارة النظافة الشهرية بسبب نقص المياه ومواد النظافة.

وأضاف "ندرة المياه. وعدم انتظام التزويد. وارتفاع الكلفة. وتدهور خدمات الصرف الصحي. جميعها عوامل تتقاطع مع البنية الاجتماعية وأدوار النوع الاجتماعي. لتجعل أثر الأزمة المائية مضاعفا على النساء والفتيات".