تشير تقديرات سياسية الى ان الولايات المتحدة قد تتجه للخروج من الحرب ضد إيران خلال فترة قريبة، حتى في حال اقدامها على تدخل بري او تنفيذ ضربات نوعية، اذ تبدو هذه الخيارات محدودة الجدوى ولا تحمل افقا واضحا للحسم، ما يرجح نهاية تترك فيها واشنطن اسرائيل في واجهة المشهد.
وتفيد القراءة العامة لمسار الصراع بان مشروع اسرائيل يواجه تحديات عميقة، مع تزايد القناعات بان نتائج الحرب قد حسمت سياسيا، بغض النظر عن استمرار العمليات، حيث لم يعد امام الخصوم سوى ادارة تداعيات المرحلة ومحاولة تقليل كلفة الخسائر.
هذا المسار، رغم ما قد يشهده من شد وجذب، قد ينتهي بخروج جزئي او كلي للقوات الامريكية من المنطقة، بالتوازي مع تغيرات عميقة في بنية النظام السياسي في تل ابيب، في ظل تصاعد الضغوط والتحديات.
وتفتح هذه التطورات الباب امام مراجعات اوسع لدى اطراف اقليمية كانت تنظر الى اسرائيل باعتبارها الخيار الاقل خطرا، ما قد يدفع لاعادة تقييم المواقف وفق اعتبارات المصلحة الوطنية والاقليمية.
تقارير اعلامية تكشف فجوة التقديرات
قال موقع N12 ان رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ابدى حالة من الاحباط نتيجة عدم تحقق تقديرات جهاز الموساد المتعلقة باندلاع احتجاجات واسعة داخل ايران، رغم العمليات العسكرية التي استهدفت مواقع حساسة.
واعرب نتنياهو خلال نقاشات امنية عن قلقه من احتمال توجه الرئيس الامريكي دونالد ترامب نحو انهاء الحرب قبل تحقيق نتائج ملموسة على الارض، ما يعكس حجم التباين بين التوقعات والواقع.
ونوهت الى ان رئيس الموساد ديدي بارنياع كان قد قدر في وقت سابق امكانية تحريك الشارع الايراني خلال ايام من بدء القتال، عبر استهداف القيادة ومؤسسات الدولة، بالتنسيق مع جهات استخبارية، بهدف دفع الاوضاع نحو انتفاضة شعبية.
وبينت صحيفة نيويورك تايمز ان نتنياهو تبنى هذا الطرح، فيما بدا ان الادارة الامريكية اقتنعت جزئيا بهذا السيناريو، رغم وجود شكوك داخل اوساط عسكرية واستخبارية حذرت من ضعف احتمالات تحقق انتفاضة خلال القصف.
ثلاثة اسابيع من الحرب.. ماذا تحقق فعليا
رغم تسجيل نجاحات عسكرية وتدمير جزء من القدرات الايرانية، الا ان الاهداف الكبرى لم تتحقق حتى الان، اذ لم يسقط النظام، واستمرت طهران في الرد، دون حدوث تحركات شعبية واسعة.
وما يزال الحرس الثوري فاعلا دون مؤشرات على انشقاقات، فيما نجحت ايران في توسيع نطاق المواجهة عبر دخول حزب الله على خط المواجهة، ما زاد من تعقيد المشهد الاقليمي.
وتتصاعد الانتقادات داخل الولايات المتحدة للحرب، بالتوازي مع تنامي المخاوف من تداعيات اقتصادية عالمية، خاصة في ظل ازمة الطاقة واحتمالات الركود.
كما أن البرنامج النووي الايراني لم يتم تدميره بشكل كامل، وتمكنت طهران من اغلاق مضيق هرمز الحيوي بكلفة عسكرية محدودة، في حين يتطلب اعادة فتحه جهدا عسكريا كبيرا قد لا يكون متاحا في المرحلة الحالية.
تحول الخطاب ومحاولات اعادة صياغة النصر
قال محللون ان النقاش الاسرائيلي الداخلي شهد تراجعا في استخدام مفهوم التهديد الوجودي الذي تم الترويج له سابقا، ليحل محله خطاب يركز على القوة والقدرة الاقليمية، في محاولة لاعادة ضبط السردية السياسية للحرب.
واكدوا ان هذا التحول يعكس صعوبة ترجمة التفوق العسكري الى نتائج استراتيجية حاسمة، في ظل استمرار قدرة ايران على الصمود وادارة الصراع لفترات طويلة.
ونوهوا الى ان ما يجري قد يكون جزءا من عملية اعادة تسويق الحرب على انها انجاز، رغم غياب مؤشرات واضحة على تحقيق اهدافها المعلنة بشكل كامل.
وبينوا ان المعادلة الحالية تشير الى ان الولايات المتحدة واسرائيل تمتلكان التفوق العسكري، في حين تمتلك ايران عنصر الاستدامة، ما يفسر عدم تحول النجاحات الميدانية حتى الان الى منجز استراتيجي حاسم.
ترامب يفتح باب الصفقة الكبرى مع إيران
في تحول لافت يحمل رسائل مزدوجة بين التصعيد والانفتاح، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمس عن إجراء محادثات وصفها بـ"القوية" مع إيران، مؤكدا وجود نقاط اتفاق رئيسية وكبيرة، في وقت تتسارع فيه التطورات الإقليمية المرتبطة بالملف النووي والتوترات في الشرق الأوسط.
وقال ترامب إن الولايات المتحدة لا تريد أن تمتلك إيران سلاحا نوويا، وتسعى في المقابل إلى تحقيق السلام في المنطقة، مشيرا إلى أن مسؤولين أميركيين أجروا اتصالات مباشرة مع قادة إيرانيين وصفهم بالمحترمين، في خطوة تعكس انفتاحا غير مسبوق على مسار التفاوض.
وأضاف أن إيران تبدي رغبة واضحة في إبرام اتفاق، وهو ما يتقاطع مع رغبة واشنطن أيضا، موضحا أن محادثات جديدة قد تُعقد عبر الهاتف في أي وقت، معربا عن أمله في التوصل إلى تسوية شاملة تنهي حالة التوتر القائمة منذ سنوات.
وأكد ترامب أن الاتفاق المحتمل قد يشكل بداية "رائعة" لإيران والمنطقة، كما قد يضمن سلاما طويل الأمد لإسرائيل، لافتا إلى أنه أجرى بالفعل مشاورات مع الجانب الإسرائيلي بهذا الشأن، وسط توقعات بأن ترحب تل أبيب بأي اتفاق يحد من التهديد النووي.
وفي لهجة لا تخلو من التهديد، أشار إلى أن توجيه ضربة لمنشآت حيوية في إيران كان مطروحا، بما في ذلك استهداف أكبر محطة كهرباء، معتبرا أن مثل هذا التحرك كان سيختلف عن العمليات الروسية في أوكرانيا، في إشارة إلى حجم التصعيد المحتمل.
وبين أن إيران كانت تمثل تهديدا وشيكا، مدعيا أنها كانت قريبة من تطوير سلاح نووي خلال فترة قصيرة، مؤكدا أن أي اتفاق يجب أن يضمن بشكل كامل عدم امتلاك طهران لأي قدرات نووية عسكرية، ومنع اندلاع حروب جديدة في المنطقة.
وأوضح أن هناك ما يصل إلى 15 بندا قيد النقاش ضمن إطار الاتفاق المحتمل، تشمل قضايا حساسة مثل تخصيب اليورانيوم وأمن الملاحة في مضيق هرمز، مرجحا أن يتم فتح المضيق قريبا في حال نجاح المسار الدبلوماسي.
وأشار ترامب إلى أن أسعار النفط قد تشهد تراجعا حادا وسريعا فور التوصل إلى اتفاق، في ظل ارتباط الأسواق العالمية بالتوترات في الخليج، مؤكدا أن واشنطن تسعى أيضا إلى زيادة إمدادات النفط بشكل كبير.
وفي سياق متصل، أثار ترامب جدلا بتصريحات حول القيادة الإيرانية، قائلا إنه لم يسمع شيئا عن مجتبى خامنئي، ولا يعرف مصيره، مشددا في الوقت ذاته على أنه لا يسعى إلى تصفية أي شخصية، بل إلى التوصل لاتفاق يحقق الاستقرار.
وختم ترامب تصريحاته بالتأكيد على أن إيران ترغب "بشدة" في التوصل إلى اتفاق، لكنه أقر بعدم قدرته على ضمان ذلك، في ظل تعقيدات المشهد السياسي، تاركا الباب مفتوحا أمام جميع السيناريوهات، بين صفقة تاريخية أو تصعيد غير مسبوق.
