في كل عيد، تتجلى مظاهر الفرح والاحتفال في صور متعددة، من تبادل التهاني إلى ارتداء الملابس الجديدة وتناول الأطعمة الشهية، فضلا عن رسائل المعايدة التي تتدفق بلا انقطاع، ومع ذلك، يجد البعض أنفسهم في حيرة من أمرهم، إذ يشعرون بنقص ما يعكر صفو هذه المناسبة السعيدة، ولا يتعلق الأمر بالتفاصيل المادية أو المظاهر الخارجية، بل بالإحساس الداخلي الذي يتلاشى تدريجيا، الفرحة التي كانت تملأ القلوب في الماضي لم تعد كما كانت، وهذا الشعور بالذات يتكرر لدى الكثيرين، على الرغم من الالتزام الكامل بالطقوس والتقاليد، إلا أن المشاعر تبدو باهتة وخافتة.
وهناك عدة عوامل تساهم في هذا الشعور بالفتور الذي يصيب البعض في العيد، وتجعلهم غير قادرين على الاستمتاع به كما في السابق.
واول هذه العوامل هو ما يعرف ب "التبلد العاطفي"، وهو حالة من تراجع الاستجابة للمشاعر نتيجة التعرض المستمر للتوتر والإرهاق.
الطقوس حاضرة.. والإحساس غائب
وقد يشارك بعض الأشخاص في جميع مظاهر العيد، ولكنهم لا يشعرون بها بنفس الحماس والشغف الذي كانوا يشعرون به في الماضي، ويفسر المختصون هذه الحالة بما يعرف بـ "التبلد العاطفي"، وهو تراجع في الاستجابة للمشاعر نتيجة التعرض المستمر للتوتر والإرهاق.
وتشير تقارير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن الضغوط المزمنة قد تؤثر في طريقة تفاعل الإنسان مع الأحداث، فتبدو الأحداث أقل تأثيرا حتى وإن كانت إيجابية، كما توضح كليفلاند كلينك أن التبلد العاطفي قد يظهر كإحساس بالحياد تجاه مواقف كانت تثير الفرح أو الحماس سابقا، دون أن يعني ذلك غياب المشاعر بشكل كامل.
الواجبات المتراكمة تثقل كاهل الفرح
ويتحول العيد لدى بعض الناس إلى سلسلة من الالتزامات والواجبات الاجتماعية التي لا تنتهي، من الزيارات العائلية إلى التحضيرات المرهقة وضغوط اجتماعية يصعب تجاهلها، وهذا التحول من "الاختيار" إلى "الواجب" يغير التجربة بالكامل، وبدلا من أن يكون العيد مساحة للراحة والاسترخاء، يصبح أحيانا مصدر ضغط إضافي، خاصة مع تضخم التوقعات الاجتماعية.
واضافه الى ذلك، تسهم وسائل التواصل الاجتماعي في تكريس صورة مثالية للعيد، ما يدفع البعض إلى مقارنة تجربتهم الخاصة بما يرونه من مظاهر احتفالية مبالغ فيها، ويعمق الشعور بالفجوة بين الواقع والمتخيل.
الحنين إلى الماضي.. هل يسرق بهجة الحاضر؟
ولا يقتصر الأمر على الحاضر فقط، بل يمتد إلى الماضي أيضا، إذ يميل الإنسان إلى استرجاع الذكريات الإيجابية، خصوصا تلك المرتبطة بالطفولة والعلاقات القريبة.
وتظهر أبحاث حول "النوستالجيا" أجرتها جامعة ساوثهامبتون أن الحنين ليس مجرد استعادة للماضي، بل آلية نفسية تعزز الشعور بالانتماء والمعنى.
ومع ذلك، قد يجعل الماضي يبدو أكثر دفئا مما كان عليه فعليا، ما يزيد الفجوة بين "عيد الأمس" و"عيد اليوم".
الفقد يترك ندوبا لا تلتئم
ويتفاقم فقدان البهجة في العيد عند فقدان أحد الوالدين، وتشير أبحاث في علم النفس إلى أن وفاة الأم أو الأب تترك فراغا عاطفيا ينعكس بشكل واضح على المناسبات العائلية، مثل العيد، حين كانت هذه الشخصيات محورية في صناعة شعور الفرح والدفء.
ووفق دراسة صادرة عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس، فإن الحزن المزمن الناتج عن فقدان أحد الأهل قد يقلل من القدرة على الاستمتاع بالتجمعات العائلية ويزيد من شعور الإنسان بالعزلة حتى وسط الاحتفالات.
لهذا، يشعر البعض بأن العيد لم يعد كما كان، ليس بسبب الطقوس نفسها، بل لأن التجارب المرتبطة بالشخصيات المحورية في حياتهم لم تعد حاضرة.
التكرار.. هل يقتل الإحساس بالتميز؟
تشير تحليلات علمية نشرتها "ساينتفك أمريكان" إلى أن الدماغ يربط الإحساس بالوقت بكمية التجارب الجديدة، فكلما تكررت الأحداث، بدا الزمن أسرع وأقل تميزا.
الإرهاق يطفئ شعلة الفرح
خلال شهر رمضان، تتغير أنماط النوم بشكل واضح، ومع دخول العيد قد لا يستعيد الجسم توازنه سريعا، وهذا الإرهاق المتراكم يمكن أن ينعكس مباشرة على الحالة النفسية.
وتوضح مؤسسة النوم الوطنية الأمريكية أن قلة النوم تؤثر في تنظيم المشاعر وتزيد من التوتر وتقلل القدرة على الشعور الإيجابي، ما قد يفسر جزءا من فتور الإحساس بالعيد.
استعادة الفرح.. ممكنة
وتلقي الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياقات العامة المحيطة بظلالها على المزاج العام، فتجعل الفرح أكثر هشاشة لدى البعض.
واكد مختصون ان الفرحة في العيد لم تختفِ، لكنها تتغير مع العمر والضغوط والذكريات وفقدان الأحباء، والتركيز على لحظات بسيطة وحقيقية وإعادة تعريف الطقوس يمكن أن يعيد البهجة إلى حياتنا، حتى لو كانت أقل صخبا من الماضي.
