يمثل شهر رمضان المبارك تحولا مهما في نظام التمثيل الغذائي داخل الجسم، حيث يتكيف الجسم مع هذا النمط الغذائي الجديد.

ومع استقبال عيد الفطر والعودة إلى نظام الأكل المعتاد، قد يحدث بعض الخلل في عملية التمثيل الغذائي، مما يؤدي إلى زيادة في الشهية أو ما يعرف بنهم الطعام، خاصة إذا لم يتم الالتزام بالاعتدال في تناول الطعام، وتنظيم مواعيد الوجبات، وتجنب الأطعمة الدسمة والحلويات بعد فترة صيام طويلة.

وخلال ساعات الصيام، يبدأ الجسم بالاعتماد على الدهون المخزنة كمصدر رئيسي للطاقة بدلا من الجلوكوز، وذلك نتيجة لانخفاض مستويات الجلوكوز والانسولين في الدم.

تأثير الصيام على الجسم

وقد نشرت مجلة نيتشر العلمية مراجعة منهجية في ابريل تناولت تأثير الصيام خلال شهر رمضان على القياسات الجسمية، وشملت المراجعة تحليل 54 دراسة بمشاركة 2857 شخصا من 21 دولة.

واظهرت النتائج ان الصيام يسهم في انخفاض ملحوظ في الوزن ومؤشر كتلة الجسم، خاصة بدءا من الاسبوعين الثاني والثالث من الشهر، مع تراجع طفيف في كمية الدهون ونسبتها.

كما اوصت المراجعة بضرورة الاستمرار على النمط الايضي الصحي الذي يتكون خلال رمضان واعتباره اسلوب حياة، وذلك لتحقيق افضل النتائج في خسارة الدهون، نظرا لان التاثير الايجابي للصيام لا يدوم لفترات طويلة دون المحافظة على هذا النهج.

العودة إلى الإفطار بعد رمضان

وكما يحدث تحول ايضي مع بداية شهر رمضان، يستعد الجسم مجددا لمرحلة تحول اخرى مع العودة الى الافطار في اول ايام عيد الفطر، خاصة عند تناول الكعك والحلويات، اذ ينتقل الجسم من الاعتماد على الدهون كمصدر للطاقة الى استخدام الجلوكوز، مما يؤدي الى ارتفاع تدريجي في مستوى الانسولين في الدم.

وفي دراسة علمية نشرتها مجلة نيتشر عام لبحث تاثير الصيام خلال رمضان وبعد انتهائه بنحو شهر، تبين حدوث انخفاض ملحوظ في عدة مؤشرات ايضية بنهاية الشهر مقارنة بما قبل رمضان، مثل وزن الجسم، ومؤشر كتلة الجسم، ونسبة الدهون، اضافة الى سكر الدم الصائم والدهون الثلاثية، وفي المقابل، لوحظ ارتفاع واضح في مؤشر مقاومة الانسولين مع نهاية رمضان.

اما بعد مرور شهر على انتهاء رمضان والعودة الى نمط الافطار المعتاد، فقد بدات هذه المؤشرات في الارتفاع تدريجيا والعودة الى مستوياتها السابقة، لكنها لم تستقر بشكل كامل.

نصائح لتجنب النهم في العيد

يبدا كثير من الناس صباح اول ايام العيد بتناول كميات كبيرة من الكعك والبسكويت، ظنا منهم انها بديل مناسب لوجبة الافطار، الا ان هذا السلوك قد يحدث ما يشبه "صدمة" للجسم بعد اعتياده على الصيام، اذ يرتفع مستوى الانسولين في الدم بشكل مفاجئ، مما يؤدي الى اضطراب عملية الايض وصعوبة في الهضم، فضلا عن تحفيز ما يعرف بنهم الطعام.

وتوضح الدكتورة ندى فايد، استشاري التغذية العلاجية، ان نهم الطعام هو الرغبة في تناول كميات كبيرة من الطعام خلال فترة زمنية قصيرة، دون الانتباه الى نوعيته او مكوناته او حتى طعمه.

وتشير الى ان هذه الحالة خلال العيد تنتج عن تجاهل التغيرات التي مر بها الجسم خلال رمضان، حيث يفاجا بكميات كبيرة من حلويات العيد مثل الكعك والبسكويت والبتيفور، الغنية بالسمن والزبدة والسكر والدقيق، وعند تناولها كوجبة افطار، تؤدي الى ارتفاع حاد في مستوى السكر في الدم، مما يدفع البنكرياس لافراز كميات كبيرة من الانسولين، وينتج عن ذلك اضطرابات هضمية مثل التلبك المعوي.

وللحد من نهم تناول الحلويات خلال العيد، تنصح فايد بعدم استبدال وجبة الافطار بالحلويات، بل تناولها بعد وجبة متكاملة تحتوي على البروتين والنشويات المعقدة، مثل الخبز الاسمر او البطاطس، حيث يساعد ذلك على تقليل امتصاص السكر والدهون.

كما تؤكد اهمية شرب كميات كافية من الماء، وتناول المشروبات العشبية المفيدة للجهاز الهضمي مثل اليانسون، والبابونج، والنعناع، والزنجبيل.

وتحذر من ان الافراط في تناول حلويات العيد قد يؤدي الى مشكلات صحية، خاصة على مستوى الجهاز الهضمي، مثل الغازات، وانتفاخ القولون، او الاسهال، نتيجة الكميات الكبيرة من السكريات.

نصائح للأطفال في العيد

اوضحت الدكتورة نيرمين عبد الودود، الصيدلانية الاكلينيكية ومدربة الصحة والتغذية ومؤسسة برنامج "Lean Leap" المتخصص في بناء العادات الصحية المستدامة، ان الطفل خلال شهر رمضان حتى اذا لم يصم اليوم كاملا يعيش ضمن نظام غذائي مختلف عن بقية العام، اذ تصبح مواعيد الطعام اكثر وضوحا، ويقل التعرض المتكرر للاكل، وتختفي الى حد كبير فكرة "الاكل طوال اليوم"، وهذا بدوره ينعكس على طريقة تعامل الجسم والدماغ مع اشارات الجوع والشبع والطاقة.

واضافت ان من ابرز التاثيرات السلوكية لرمضان لدى الاطفال هو تراجع الاكل العشوائي، نتيجة لكون البيئة الغذائية اصبحت اكثر تنظيما، فمع تقليل الوجبات غير المخطط لها، يصبح الطفل اكثر وعيا باشارات الامتلاء والشبع، ويتعزز لديه نمط غذائي اكثر انتظاما.

ومع قدوم عيد الفطر، يحدث تحول مفاجئ في عادات الطفل الغذائية، ما يشكل نوعا من "الصدمة" على المستوى الجسدي والسلوكي، اذ ينتقل فجاة الى بيئة مليئة بالمغريات مثل الحلويات والشوكولاتة والكعك والبسكويت والعصائر.

وتوضح الدكتورة نيرمين ان هذا التغيير المفاجئ يربك الطفل لسببين: اولا، حدوث تشويش في اشارات الجوع والشبع، وثانيا، ان الطفل يبدا في تناول الطعام ليس بدافع الجوع فقط، بل استجابة للمغريات المتاحة.

وتشير الدراسات الى ان البيئات الغنية بالاطعمة الشهية والمتوفرة بكثرة تجعل التحكم في الشهية اكثر صعوبة، وتزيد من احتمالية الافراط في الاكل او ما يعرف بنهم الطعام.

كما ان الاعتماد على الحلويات والمخبوزات الغنية بالسكر، والتي توفر طاقة سريعة دون ان تمنح شعورا مستقرا بالشبع، بعكس الوجبات المتوازنة التي تحتوي على البروتين والالياف، يساهم في زيادة هذا النهم.

وفي ختام حديثها، تنصح عبد الودود الاباء والامهات بضرورة الحفاظ على المكتسبات التي حققها الطفل خلال رمضان في تنظيم اشارات الجوع والشبع، والعمل على استثمارها واستمرارها كنمط صحي لحماية صحة الاطفال.