أعرب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، عن قلقه العميق إزاء التداعيات الخطيرة لجرائم ميليشيات المستوطنين في الضفة الغربية، والتي تتضمن القتل والتنكيل بالمواطنين الفلسطينيين، وصولا إلى الاعتداءات الجنسية، مبينا أن هذه التصرفات تقوض جهود الجيش الإسرائيلي في الحفاظ على الأمن.

ويشدد زامير على أن هذه الأفعال لا تمثل المشروع الاستيطاني بأكمله، مؤكدا أن من يقوم بها هم أقلية ضئيلة، إلا أنه حذر من أن هذه الميليشيات تقوم باعتداءات على الجنود الإسرائيليين الذين يفترض بهم حمايتها، وذلك في الوقت الذي يخوض فيه الجيش حربا مصيرية.

وقال زامير، خلال اجتماع مع قيادة لواء المركز في الجيش الإسرائيلي، المسؤول عن قوات الاحتلال في الضفة الغربية: "هذا الوضع غير مقبول، ولا يمكن للجيش أن يتعامل مع تهديد داخلي في ظل الحرب"، موضحا أن تصرفات المستوطنين تعرض الجيش للخطر وتهدد الاستقرار الأمني.

تنديد بالاعتداءات وتأثيرها الاستراتيجي

واعتبر زامير أن المستوطنين ينفذون "عمليات إجرامية قومية" ضد الفلسطينيين، لافتا إلى أن نشاطهم يشهد تصعيدا مقلقا في الأسابيع الأخيرة، وأشار إلى أن المستوطنين يعرضون الجيش للخطر ويهددون الاستقرار الأمني وقيم الدولة، مؤكدا أن أفعالهم مرفوضة وتلحق ضررا استراتيجيا بجهود الجيش.

واضاف أن هذا الدعم جاء رغم أن زامير نفسه كان قد قدم دعما غير مسبوق للمستوطنين في الضفة الغربية، بعد زيارة سرية لبؤرة استيطانية في أغسطس الماضي، وهي خطوة رحب بها وزراء اليمين المتطرف، وبين أن هذه الزيارة تعتبر سابقة لرئيس أركان إسرائيلي.

ويتضح من أقوال زامير أنه منزعج بشكل خاص من رمي بعض المستوطنين حجرا على جندي إسرائيلي جنوب الضفة الغربية المحتلة، وتوجه إلى القادة العسكريين بالقول: "أنتم تعملون ليلا ونهارا في ظروف معقدة من أجل أمن الدولة والمستوطنات وسكانها، ولا مكان في الخطاب العام للتحريض ضد القادة الذين يعملون يوميا لإحباط الإرهاب".

تصاعد اعتداءات المستوطنين وتجاهل الملاحقات القضائية

ويشار إلى أن المعطيات الميدانية التي نشرتها منظمة «ييش دين» الإسرائيلية، تكشف عن تصاعد مستمر في اعتداءات المستوطنين، إذ وثقت المنظمة أكثر من 109 جرائم عنف منذ بدء الحرب، وشملت هذه الجرائم عمليات إعدام ميدانية وإطلاق نار واعتداءات جسدية وجنسية وتخريب ممتلكات وتهديدات.

وتظهر هذه المعطيات أن هذه الاعتداءات نادرا ما تؤدي إلى ملاحقات قضائية، إذ لم تتجاوز نسبة لوائح الاتهام 2 في المائة من مجمل الملفات الموثقة، وخصوصا في الفترة التي أعقبت 7 أكتوبر، ولكن خلال الحرب، اتخذت الاعتداءات طابعا إجراميا أعلى، وتم قتل 7 فلسطينيين في 192 اعتداء نفذه مستوطنون.

وما لا يتطرق إليه زامير هو الاعتداءات التي يقوم بها الجيش نفسه، فخلال فترة السنتين ونصف السنة تم قتل 1127 فلسطينيا في الضفة الغربية وإصابة نحو 11700، إضافة إلى اعتقال نحو 22 ألفا وترحيل أكثر من 44 ألف فلسطيني عن بيوتهم، وذلك وفق معطيات فلسطينية رسمية.

مداهمات واعتقالات يومية وحواجز عسكرية

وفي كل يوم تشن قوات الاحتلال حملات مداهمة واقتحامات واسعة في مناطق متفرقة من الضفة الغربية المحتلة، أسفرت عن اعتقال عشرات الفلسطينيين، إلى جانب اقتحام منازل عديدة وتفتيشها والعبث بمحتوياتها واعتقال قاطنيها والتنكيل ببعضهم وإخضاعهم لتحقيقات ميدانية استمرت لساعات، وفي الوقت ذاته تعتقل الصحافيين حتى تمنع توثيقهم للجرائم.

ووفقا لبيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، يبلغ عدد الحواجز العسكرية والبوابات المنتشرة في الأراضي الفلسطينية 916 حاجزا، من بينها 243 بوابة جرى نصبها بعد 7 أكتوبر.

كما رصد مركز فلسطين لدراسات الأسرى خلال شهر فبراير الماضي وحده 525 حالة اعتقال، من بينها 21 امرأة و37 طفلا قاصرا، في حين وثق مركز معلومات فلسطين «معطى» تنفيذ 1208 عمليات اقتحام و1137 مداهمة لمنازل ومنشآت إلى جانب 1139 حالة تضييق عبر الحواجز العسكرية و319 حالة إغلاق لمناطق وبلدات في الضفة الغربية خلال الشهر ذاته.

اعتداءات جنسية وتهديدات بالقتل

وكشفت صحيفة «هآرتس» أن مستوطنين ملثمين هاجموا تجمعا فلسطينيا في شمال غور الأردن نهاية الأسبوع الماضي، ونفذوا اعتداء جنسيا خطيرا بحق رجل أمام عائلته.

وبحسب الشهادات اعتدى المستوطنون أيضا بالضرب على فتيات في التجمع، ووجه أحدهم تهديدات بقتل الأطفال واغتصاب النساء إذا لم يرحل السكان عن أرضهم، فيما نقل 4 رجال من التجمع وناشطتان في مجال حقوق الإنسان لتلقي العلاج الطبي.

وحسبما أفاد به شهود عيان لصحيفة «هآرتس» العبرية بدأ الاقتحام نحو الساعة الواحدة فجرا، حين تدفق إلى المكان عشرات المستوطنين الملثمين.

واشارت عدة افادات إلى أن المستوطنين انقسموا إلى مجموعات تضم كل منها ما بين 3 و6 معتدين ثم اقتحموا مباني التجمع في وقت واحد كما لو أنهم ينفذون خطة عسكرية.

وهاجم المستوطنون السكان وهم نيام وانهالوا عليهم بالضرب بالهراوات والايدي والسكاكين، وبين أنهم قيدوهم وعروا بعضهم قبل أن يجمعوهم في مكان واحد، وفي الأثناء أظهروا شماتتهم بإذلال المواطنين.

وقالت واحدة من سكان التجمع لصحيفة «هآرتس»: «استيقظت على صرخات المستوطنين، صفعوني وجرونا إلى الخارج، ثم كبلوا أيدينا ونزعوا غطاء رأسي ومزقوا بعض ملابسي، كما أخذوا الفتيات إلى الخارج وضربوهن حتى الصغيرات منهن».

ووصف أكبر أفراد العائلة سنا البالغ من العمر 74 عاما كيف اقتحم 4 مستوطنين خيمته، قائلا: «3 منهم كالوا لي ضربات مميتة على الرأس واليدين والبطن، فيما حطم الرابع كاميرات المراقبة وجهاز الراوتر والمصابيح».

واضاف: «بدأت أفقد وعيي فسكبوا علي الماء أيضا، وفي تلك الأثناء سرق أحد المستوطنين ساعتي من يدي»، وافاد بأن المستوطنين جروا بقية العائلة إلى الخيمة بعد ذلك التي تحولت إلى ما يشبه نقطة احتجاز، وذكرت إحدى الناشطتين الأجنبيتين اللتين شهدتا الواقعة حالة اعتداء جنسي على أحد الرجال الفلسطينيين.