تعتبر العشر الاواخر من شهر رمضان المبارك من اهم المناسبات السنوية التي تميز ايامه ولياليه في اليمن، وتمثل هذه الفترة تظاهرة روحية وشعبية فريدة، حيث ترتبط مظاهرها وتقاليدها بوجدان كل من عاش تفاصيلها في ارض اليمن.

وبطبيعة الحال، تختلف العادات والتقاليد من منطقة الى اخرى في اليمن، لكنها في المجمل تعكس الاهمية الكبيرة لشهر رمضان، ويمثل هذا الشهر الفضيل فرصة سنوية للكثير من المغتربين للعودة الى ارض الوطن، وذلك للاستمتاع بالطقوس الرمضانية المتوارثة، وليتعرف ابناؤهم على جزء من اجواء الوطن وخصوصياته.

ومع حلول العشر الاواخر من رمضان، تشهد معظم المناطق اليمنية احتفالات بختم القران الكريم، وفي هذا السياق، تتميز كل منطقة بخصوصيتها التي قد تميزها عن غيرها، خاصة المدن التي عرفت وما زالت مراكز للعلوم الفقهية والشرعية، او تلك التي تتميز بكثافة المساجد.

طقوس تهامة: احتفال مميز بختم القرآن

بحلول ليلة الخامس عشر من رمضان، تبدا مظاهر الاحتفال بختم القران الكريم في العديد من مساجد تهامة اليمن، وهي المنطقة الغربية التي تمتد من سواحل حجة شمالا الى قرى ذو باب وباب المندب جنوبا.

وجرت العادة في تهامة ان يقرا ائمة صلاة التراويح كل يوم جزءا من القران، ثم يخصص لكل مسجد ليلة للاحتفال بختم المصحف، ويحدث الامر نفسه ايضا مع الاسر التي تجتمع في وقت محدد كل يوم لتلاوة القران، وكذلك تفعل مجموعات الرجال والشباب في تجمعاتهم المسائية، حيث يخصصون وقتا من جلستهم لقراءة القران للاحتفال بختمه.

ولهذه العادة طقوس واستعدادات خاصة، وبين، وان تباينت من منطقة لاخرى في تهامة، الا انها تتشابه في الغالب في مظاهرها العامة.

زبيد: مدينة العلم تنير ليالي رمضان

في مدينة زبيد، المشهورة بتاريخها العريق كمركز للعلم وكثرة المساجد، تعيش المدينة ما يمكن اعتباره موسما قرانيا، فمعظم المساجد تقريبا تحتفل بختم القران في ليلة مخصصة، وربما تتزامن في الليلة الواحدة اكثر من خمس او سبع ختمات، وحتى على مستوى الاحياء، تكاد لا تمر خلف جدار من بيوتات العلم والفقه الا وتجد اسرة تتلو القران ولها موعد للاحتفاء بختمه في العشر الاواخر.

ومن بين مساجد زبيد، يتميز مسجدها التاريخي (الاشاعر) الذي بني في عام 8 للهجرة، بخصوصية فريدة، وتقام في المسجد صلاة التراويح مساء كل يوم ثلاث مرات في جماعات متتالية، وذلك ليتسنى لجيران المسجد ورواد السوق المركزي القريب وتجاره وبائعيه اداء صلاة التراويح، ويؤم المصلين ثلاثة ائمة، يقرا كل منهم جزءا يوميا، وبالتالي يشهد المسجد ثلاثة احتفالات متتالية لختم القران.

في تهامة اليمن، وفي مدنها التاريخية الشهيرة مثل زبيد وحيس وبيت الفقيه وغيرها، يمكن وصف فعالية الختم بالعرس، حيث يتم تجهيز المسجد للمصلين، او فناء المنزل لاهل البيت والجيران، او ديوان الحارة (المبرز)، وهو مكان تجمع رجال الحي لتلاوة القران وتدارسه.

حضرموت: تنوع في الطقوس الرمضانية

وعلى عكس صورة الختمة الموحدة تقريبا في تهامة، بين التربوي محمد مؤمن، وهو من سكان تريم بمحافظة حضرموت، انه لا توجد طقوس معينة او موحدة لختم القران في حضرموت، لكن الناس اعتادوا افتتاح ختمة القران مع بداية شهر رمضان، وفي كل ليلة يقراون جزءا كاملا في صلاة التراويح.

واضاف في حديث صحفي انه في العشر الاواخر يستكملون القراءة ايضا في صلاة التهجد، وغالبا ما يكون الختم ليلة السابع والعشرين او التاسع والعشرين، واثناء قراءة الختم يتم توزيع الحلوى والمشروبات والقهوة.

وتتمتع حضرموت، وهي اكبر محافظات اليمن من حيث المساحة، بموروث شعبي وثقافي متنوع، ولها عادات وتقاليد مرتبطة بالمناسبات الموسمية والدينية، ومنها شهر رمضان.

المكلا: كرنفال رمضاني يبهج المدينة

تتميز المكلا، عروس ساحل حضرموت، بطابع خاص يظهر في الخصوصية الاجتماعية لليالي الخواتيم، حيث يدعو الناس بعضهم البعض، سواء كافراد او اسر، لتناول وجبتي الافطار والعشاء، وذلك ليشهدوا معا طقس الختم في مسجد الحي وسط حضور كثيف للاطفال.

وجرت العادة في المكلا ان يبدا الختم من مسجد بايعشوت، ثم تليه مساجد المدينة، وكل مسجد له توقيته الخاص من الايام والليالي التالية، وتستمر المظاهر نفسها مع بعض التباين الايجابي الى ليلة التاسع والعشرين من رمضان، وفي ذلك تتنافس الاحياء والمساجد.

واوضح احمد سالم، احد سكان حي المكلا القديمة، ان اليوم الاخير للخواتيم يشهد خروجا جماعيا للاهالي وهم يرددون اناشيد دينية صوفية، تمثل المديح النبوي والذكر والدعاء جوهر كلماتها.

واضاف احمد ان البعض يؤدي بشكل جماعي رقصات فلكلورية على وقع الحان شعبية موروثة، وخلالها يرددون بشكل جماعي قائلين (يا عواد يا من يعود)، وهي امنية بان يعود رمضان القادم وهم بخير وعافية، ويشير احمد الى ان طقوس الختايم اصبحت مناسبة للتنافس بين بعض احياء المدينة من حيث الحشد وتنويع الفقرات الفنية والثقافية، وحتى ان بعض هذه الاحتفالات اصبحت فرصة للباعة العاديين لبيع العاب الاطفال او بعض المنتجات المحلية التقليدية.

تريم: ليلة الجائزة في رحاب مسجد المحضار

وفي اتجاه مواز، بين محمد الكثيري، من اهالي سيئون، ان ما يطلق عليه موسم (الختايم) يمثل تظاهرة رمضانية تزخر بها احياء وازقة المدن التاريخية، وفي مقدمتها تريم عاصمة الثقافة الاسلامية.

واضاف الكثيري ان هناك مساجد في تريم تتحول الى مزارات لحشود الناس والاهالي الحريصين على حضور فعالية ختم القران الكريم، ومنها جامع المحضار التاريخي ومسجد الحداد ودار المصطفى، حيث تشهد ليالي العشر الاواخر ما يمكن وصفه بظاهرة الحج المحلي لبعض هذه المساجد للتبرك بدعاء ختم القران، خصوصا في ليلة التاسع والعشرين التي يسميها الاهالي (ليلة الجائزة).

ويعد مسجد المحضار ابرز واهم مساجد تريم، فهو الى جانب كونه معلما تاريخيا وثقافيا وسياحيا، يعتبر احد اقدم المساجد التي يقام فيها ختم القران الكريم، ويقال ان عادة ختم القران في مسجد المحضار تعود الى نحو 700 عام.

وفي مشهد لافت، يتوافد الاف السكان من مختلف قرى ومناطق سيئون وما حولها، بل ومن بطون قرى وادي حضرموت، فقط ليفوزوا بفرصة حضور ليلة التاسع والعشرين بمسجد المحضار وختم القران الكريم، فتمتلئ بهم الساحات الخلفية للمسجد، وهو مظهر فريد وان تكرر في مساجد يمنية اخرى، الا ان له طابعا خاصا في تريم العاصمة الروحية للحضارم.