كشفت عملية اغتيال غامضة طالت قياديا في فصيل عراقي، تفاصيل مثيرة حول تجارة النفط التي تديرها ما تعرف بـ"امبراطورية جرف الصخر" جنوب بغداد، وذلك وفقا لرواية مسؤولين ومصادر محلية.

افاد هؤلاء بان "حدثا كبيرا" اسفر عن اغتيال شخصية قيادية تكنى بـ"ابو سيف"، ويعتقد انه "المسؤول الاول عن ادارة الانشطة التجارية المتعلقة بالنفط الخام المهرب وتكريره وبيع مشتقاته".

واشار المسؤولون الذين طلبوا التحفظ على هوياتهم بسبب حساسية الامر، الى ان القيادي المعروف باسم "ابو سيف" قد يكون استهدف بطائرة مسيرة بالتزامن مع التصعيد الامني في العراق على وقع الحرب على ايران.

تفاصيل حول امبراطورية جرف الصخر النفطية

ويعتقد ان الولايات المتحدة او اسرائيل نفذت العملية في ظل تحليق مكثف للطيران العسكري بمختلف انواعه فوق مناطق عدة من العراق، استمر طوال الاسبوع الماضي، وتقول مصادر ان هذا التحليق كان يهدف الى رصد جماعات وافراد انخرطوا بالفعل في الحرب.

ومنذ 28 اذار، تحولت سماء العراق الى مسرح صاخب لتحليق المسيرات والمروحيات القتالية والصواريخ من اطراف النزاع الاقليمي، الولايات المتحدة واسرائيل من جهة، وايران ووكلائها في العراق من جهة اخرى.

تقول المصادر ان مسيرة الرجل بدات كواحد من عناصر ميليشيا "جيش المهدي" التابع لمقتدى الصدر، قبل ان ينشق مع اخرين من اقرانه لينضموا الى فصائل اخرى بات نفوذها اليوم قويا.

دور ابو سيف في تجارة النفط الموازية

وقد تحول الرجل خلال السنوات العشر الماضية الى نقطة مركزية لادارة عمليات خاصة للفصائل المسلحة تتركز على تجارة النفط، وانشاء شبكات مصالح مع وسطاء من محافظات عراقية شمال وغرب العراق لاستخدامهم للتمويه على انتمائه الفصائلي في ما يعرف بـ"سوق الظل الكبير" للنفط في العراق.

ووصف رجل مطلع على سوق النفط الموازية في العراق "ابو سيف" بانه احد "اعصاب الاقتصاد الموازي للجماعات الموالية لايران".

ومع تعاظم التجارة التي يديرها بعناية وحذر، وتوسع الشبكة التي تنفذ اعماله من تصفية النفط وتكريره وبيعه للسوق المحلية او ارساله الى كردستان العراق، تحول "ابو سيف" الى احد "ملوك النفط" في العراق، وفق المصادر.

المصافي المتنقلة ودورها في التكرير

وكشفت المصادر ان شبكة الرجل تستحوذ منذ سنوات على مجموعة من "المصافي المتنقلة" المعروفة محليا باسم "الافران"، اذ تقوم بانتاج المشتقات النفطية من النفط الخام المسحوب من ثقوب وفتحات غير نظامية في انابيب نقل النفط الخام.

ويشرح مهندس نفط سابق الوظيفة التي تقوم بها "الافران" او المصافي المتنقلة بانها "وحدات تكرير صغيرة مصممة لتكون سهلة النقل والتركيب، تعتمد على التقطير البسيط، وتتكون من صهريج التسخين وابراج التقطير المصغرة ونظام التبريد وخزانات التجميع، حيث تنتهي العملية الى بنزين وكيروسين وديزل ومنتجات اخرى في خزانات منفصلة".

وتحقق هذه العملية البدائية ارباحا طائلة، رغم انها تفتقر الى معايير السلامة والبيئة، مما يجعلها عرضة للانفجار وتسبب تلوثا شديدا، ويقول المهندس النفطي ان الوقود الناتج يكون غالبا ذا جودة رديئة تضر بمحركات السيارات.

اثار "افران جرف الصخر" البيئية

وتؤكد المصادر ان الاستدلال على عمل "الافران" يكون من خلال الاثر الذي تتركه، اذ تترك "بقعا سوداء" مدمرة للتربة والمياه الجوفية في المناطق التي تنصب فيها.

وقالت مصادر امنية ان "الافران" خدمت في مناطق شهدت اضطرابات امنية بعد عام 2014، واستخدمتها جماعات مسلحة ومهربون لتكرير النفط المستخرج من الابار النفطية الصغيرة او "المثقوبة" من الانابيب الرئيسية.

تستند هذه الرواية الى مقابلات اجريت عن بعد مع مصادر امنية ومحلية، غير ان التحقق الميداني منها يبقى صعبا نظرا الى القيود المفروضة منذ سنوات على دخول جرف الصخر التي لا تزال مغلقة الى حد كبير امام الصحافيين والباحثين.

تحول جرف الصخر الى معقل للفصائل

وبلدة جرف الصخر جنوب بغداد احدى ابرز المناطق التي ازدهرت فيها انشطة "الافران" النفطية، اذ تمر عبرها انابيب نفطية استراتيجية تربط بين الحقول الجنوبية والمصافي والمحطات الشمالية والوسطى.

وتحولت جرف الصخر الى احد اهم معاقل الفصائل العراقية منذ عام 2014، حين بدات عمليات عسكرية لاستعادة البلدة الزراعية من تنظيم "داعش"، ومثلما نجحت الفصائل الشيعية في طرد عناصر التنظيم اجبرت نحو 120 الفا من المدنيين على مغادرتها.

في السنوات اللاحقة تحولت البلدة التي كانت تعتمد منذ التسعينات على زراعة المحاصيل الزراعية الى مركز معقد لادارة العمليات العسكرية والاستخبارية للفصائل المسلحة.

شبكة عملاء "ملك النفط"

تكشف المصادر الطريقة التي تعمل بها شبكة "ابو سيف"، اذ تنقل المنتجات المكررة عن طريق "الافران" الى صهاريج خاصة لا تحمل "برقيات" ترخص حركتها متجهة الى مصاف اهلية او مؤسسات لديها عقود تشغيلية مع الحكومة تتطلب استهلاكا اساسيا لمشتقات النفط مثل الاسفلت.

وفي الظروف الطبيعية يتوجب على ناقل المشتقات النفطية حمل اوراق ثبوتية من بينها "برقية" تساعده على اجتياز نقاط التفتيش النظامية بين المحافظات العراقية، الا ان "ابو سيف" كان يمتلك النفوذ الكافي لنقل المنتجات وتسليمها من دون اعتراض جهات امنية وحكومية.

وتقول المصادر ان العشرات من المقاولين والوسطاء يشكلون جيشا من العملاء الذين يخدمون "ملك النفط"، ويتولون تنفيذ المراحل المختلفة من العملية بدءا من تشغيل "الافران" ونقلها وانتهاء بتوزيعها على المعامل والمصافي، لكن اللافت ان عددا كبيرا منهم ينشطون في مدن شمال العراق وغربه.

تفاصيل الصفقة الاخيرة قبل الاغتيال

قبل اغتياله الغامض بنحو شهر كان "ابو سيف" قد انجز صفقته الاخيرة، تفيد المصادر بان "ملك النفط" تمكن مع شبكته من بيع نحو 600 الف طن من منتجات النفط بقيمة 120 مليون دولار نصفها تقريبا مبيعات للسوق المحلية.

وليس من الواضح حتى الان كيف تجمع الشبكة اموالها واين تودع، لكن المصادر تقول ان قيمة الصفقات التي يبرمها "ابو سيف" تعد ارباحا صافية بسبب سحب النفط من الانابيب مجانا بطريقة غير شرعية.

وغالبًا ما تعلن السلطات الامنية في العراق عن تفكيك "مواقع لتدوير وتهريب المشتقات النفطية" وضبط صهاريج ومصاف غير قانونية في انحاء متفرقة من البلاد، وفي بعض تلك الحالات تظهر التحقيقات الاولية ان الشبكة تتالف من مجموعات صغيرة يقودها تاجر نفط ومشغلون وضباط امن وجيش متورطون.

عقوبات امريكية على شبكات تهريب النفط

ومنذ عام 2018 بدا اقتصاد النفط المهرب من قبل الميليشيات العراقية يلفت اهتمام الوكالات الامريكية، اذ فرضت واشنطن عقوبات على شخصيات وشبكات عراقية تتهمها بالضلوع في اقتصاد الفصائل، ومن ابرز الاسماء رجل الاعمال سالم احمد سعيد الذي ادرجته وزارة الخزانة الامريكية عام 2025 بتهمة ادارة شبكة شركات باعت النفط الايراني على انه نفط عراقي مستخدمة شركات واجهة وعمليات نقل بين السفن لاخفاء مصدر الشحنات.

كما فرضت واشنطن عقوبات على رجل الاعمال وليد خالد حميد السامرائي لاتهامه بادارة شبكة ناقلات وشركات شحن استخدمت لتهريب النفط الايراني وخلطه بالنفط العراقي قبل تسويقه في الاسواق الدولية.

وتقول المصادر ان "ملك النفط" يصدر كميات كبيرة من المشتقات الثقيلة او زيت الوقود الاسود الى شبكات اقليمية متعاونة تقوم بخلطها مع نفط ايراني وتسهيل تصديره بكميات اكبر بوثائق شحن مختلفة.

اغتيال "ملك النفط" وعلاقته بالعمليات العسكرية

تعتقد المصادر ان عملية اغتيال "ملك النفط" في غمرة الحرب على ايران جاءت نتيجة انخراطه على الارجح في انشطة عسكرية بدات تتصاعد ضد المصالح الامريكية من داخل بلدة جرف الصخر.

وافادت مصادر سياسية بان جماعات شيعية مسلحة حصلت في اعقاب مقتل المرشد الايراني على اوامر من "الحرس الثوري" الايراني للقيام بعمليات عسكرية تستهدف "الحاق الضرر بالولايات المتحدة وحلفائها" واختيار "اكثر الاهداف اهمية".

ورغم ان "ابو سيف" كان مسؤولا عن تجارة النفط وتوزيع "الافران" واخفائها في مزارع جرف الصخر فان اغتياله جاء بعد التشابك بين مهامه التجارية واوامر بتنفيذ مهمات عسكرية يرجح انها شملت انشطة مسيرات ملغومة انطلاقا من البلدة.

امبراطورية متكاملة داخل جرف الصخر

وتعكس هذه الادوار المركبة كيف تمكنت الفصائل العراقية من انشاء امبراطورية شبه متكاملة داخل جرف الصخر تقوم بوظائف امنية واقتصادية معقدة.

وتضم هذه الامبراطورية السرية مخازن صواريخ ومسيرات ومعامل لاختبار وصناعة متفجرات محلية الى جانب مزارع وبحيرات اسماك ومصاف متنقلة ومراكز قيادة ومعلومات وسجون محصنة وتعمل المنطقة عموما كمقرات اقليمية بديلة لوحدات من "حزب الله اللبناني" ومستشارين من "الحرس الثوري" الايراني.