مع انتهاء وجبة الافطار في شهر رمضان، يبدا العديد من الاشخاص في البحث عن فنجان القهوة، الذي يعتبره البعض جزءا لا يتجزا من طقوس هذا الشهر، اذ يرى فيه البعض استكمالا لوجبة الافطار، بينما يتساءل اخرون عن سبب هذا التعلق، وهل هو مجرد عادة اجتماعية ام حاجة جسدية؟

تكشف الدراسات الحديثة ان الامر اكثر تعقيدا مما يبدو، اذ يتداخل فيه البعد الاجتماعي مع التاثيرات الفيزيولوجية للكافيين على الدماغ، وبينت ان هذا المشروب لا يقتصر على كونه عادة رمضانية بل يتعدى ذلك ليكون استجابة لاحتياجات الجسم الفسيولوجية.

واظهرت الابحاث ان شرب القهوة بعد الافطار يمكن ان يكون وسيلة لتخفيف اعراض انسحاب الكافيين التي يعاني منها البعض خلال ساعات الصيام الطويلة، خاصة اولئك الذين اعتادوا على تناول القهوة بشكل منتظم.

تاثير القهوة على الجسم والدماغ

واضافت الدراسات ان الصائمين غالبا ما يشتكون من صداع حاد، خاصة في الساعات الاخيرة قبل الافطار، ويعرف هذا العرض بانسحاب الكافيين، الذي يبدا بعد 12 الى 24 ساعة من التوقف عن تناول الكافيين، وقد يشمل الصداع والتعب وضعف التركيز وتغير المزاج، وتبلغ هذه الاعراض ذروتها خلال يوم او يومين.

وبينت الابحاث انه عندما يمتنع الشخص عن تناول القهوة، يبدا الجسم في اظهار اعراض انسحاب الكافيين، ما يجعله يشعر بالحاجة الى تناول القهوة بعد الافطار لتعويض هذا النقص، ولهذا، قد تكون القهوة بعد الافطار استجابة لحاجة جسدية حقيقية لتخفيف هذه الاعراض، لا مجرد رغبة عابرة.

واوضحت الدراسات ان الكافيين يعمل عن طريق تثبيط مستقبلات مادة الادينوزين في الدماغ، وهي مادة كيميائية تتراكم خلال النهار وتساهم في الشعور بالنعاس، وعندما يمنع الكافيين ارتباط الادينوزين بمستقبلاته، ينخفض الاحساس بالتعب وترتفع درجة اليقظة، ولهذا يشعر الصائم بعد اول رشفة قهوة بانتعاش فوري.

القهوة بين العادة الاجتماعية والاعتماد السلوكي

واكدت الدراسات ان الجسم يتكيف مع تاثير الكافيين مع مرور الوقت، ما يجعل التوقف المفاجئ عنه اكثر ارباكا للجهاز العصبي، واشارت الى ان البعد النفسي يلعب دورا مهما في هذا التعلق بالقهوة، فالقهوة في الثقافة العربية ليست مجرد مشروب، بل هي طقس اجتماعي مرتبط بالجلسات العائلية والسمر الليلي.

وناقشت الابحاث مفهوم اضطراب استخدام الكافيين، مشيرة الى ان بعض الافراد يطورون نمطا من الاعتماد السلوكي والجسدي يجعلهم يشعرون بعدم القدرة على اداء وظائفهم اليومية من دونه، وبينت انه في رمضان، قد يختلط البعد الاجتماعي بالحاجة الفيزيولوجية، فيصعب التمييز بين الرغبة والعادة والاعتماد الفعلي.

وكشفت الدراسات عن ان رمضان يغير ايقاع النوم بسبب السحور والقيام وتبدل ساعات العمل، ما يزيد من اضطرابات النوم، وانه في هذا الشهر يغير رمضان ايقاع النوم بسبب السحور والقيام وتبدل ساعات العمل، فهل تضيف القهوة مزيدا من الاضطراب؟

تأثير القهوة على النوم وامتصاص الحديد

واظهرت الدراسات ان تناول الكافيين قبل النوم بست ساعات يمكن ان يقلل مدة النوم وجودته بشكل ملحوظ، وبينت انه بما ان الكثيرين يشربون القهوة بعد الافطار او حتى بعد التراويح، فان تاثيرها قد يمتد الى ساعات النوم المتاخرة، ما يفاقم الشعور بالارهاق في اليوم التالي، وهنا تتحول القهوة من حل مؤقت للتعب الى عامل يزيد اضطراب النوم المزمن خلال الشهر.

وافادت الدراسات بان شرب القهوة مع الوجبة قد يقلل امتصاص الحديد غير الهيمي بنسبة تصل الى 39%، وهذا يعني ان شرب القهوة مباشرة بعد الافطار، خاصة اذا كانت الوجبة غنية بالبقوليات او الخضروات، قد يؤثر في امتصاص عنصر اساسي يحتاجه الجسم، لا سيما لدى النساء او من يعانون اصلا من نقص الحديد.

واكدت الدراسات انه على عكس الاعتقاد الشائع، لا يوجد دليل على ان الاستهلاك المعتدل للقهوة يؤدي الى الجفاف مقارنة بشرب الماء، لدى الاشخاص المعتادين عليها، وبمعنى اخر، القهوة ليست السبب الرئيسي للعطش في اليوم التالي، لكن الافراط فيها قد يزاحم شرب الماء، وهو ما يؤدي بصورة غير مباشرة الى نقص السوائل.

نصائح لتناول القهوة بشكل صحي في رمضان

واوصت الدراسات بتاجيل القهوة ساعة على الاقل بعد الافطار، لاتاحة الفرصة لامتصاص المغذيات والابتعاد عن شربها قبل النوم بعدة ساعات، كما يمكن تقليل الكمية تدريجيا قبل رمضان باسابيع لتخفيف اعراض الانسحاب.

وفي الختام، اكدت الدراسات ان القهوة بعد الافطار ليست مجرد عادة عابرة ولا حاجة بيولوجية خالصة، بل هي تقاطع بين الفيزيولوجيا والثقافة، وبين كيمياء الدماغ وذاكرة الجماعة، ويبقى السؤال لكل فرد: هل اشربها لاني استمتع بطقسها ام لان جسدي يطالب بجرعته اليومية؟