في خطوة لاقت ترحيبا حذرا، أطلقت السلطات الجزائرية سراح نحو 50 سجينا من معتقلي الرأي، وذلك عشية عيد الفطر، بموجب عفو رئاسي، الا ان ناشطين حقوقيين يؤكدون أن أكثر من 150 آخرين لا يزالون يقضون عقوبات حبسية تتراوح بين عامين وثماني سنوات.
وبينما ترى السلطات أن أفعال هؤلاء تندرج ضمن "الجرائم القانونية"، تشدد القوى المعارضة على أن الأحكام الصادرة بحقهم هي "إجراء عقابي" على خلفية مواقفهم المعارضة لسياسات السلطة.
قال الناشط المعارض والصحافي المعروف، فضيل بومالة، عبر حساباته في الإعلام الاجتماعي، يوم عيد الفطر، إن عددا من المعتقلين "غادروا أسوار السجون، في حين لا يزال آخرون قيد الاحتجاز"، وأبرزهم الشاب محمد تاجديت الملقب "شاعر الحراك"، والشاب ابراهيم لعلامي.
إطلاق سراح معتقلين بارزين واستمرار احتجاز آخرين
واكد بومالة خبر الإفراج عن معتقل الرأي الشهير صهيب دباغي بولاية باتنة، ومعه الناشط يوسف بلورغي من المنطقة نفسها.
وابرز بومالة، وهو معتقل رأي سابق يرصد منذ سنوات المتابعات الأمنية والقضائية للناشطين المعارضين وينشرها، أن عددا من المعتقلين لا يزالون رهن الحبس، رغم صدور مرسوم العفو الرئاسي، وذكر من بينهم زهير حجازي، وعبد العزيز بن هدي، ومنصور مخالفية، ومختار دالي.
واضاف بومالة أن معتقلي الرأي بشرق البلاد، صدوق قحام ومراد لوريسي، غادرا السجن عشية عيد الفطر بعد انقضاء مدة محكوميتهما، "دون أن يكون لخروجهما أي علاقة بإجراءات العفو الرئاسي، وفق ما تم تداوله".
تفاصيل العفو الرئاسي واستثناءاته
بمناسبة عيد الفطر، فقد أعلنت الرئاسة، في بيان، أن الرئيس عبد المجيد تبون وقع مرسومين رئاسيين يتضمنان إجراءات عفو تشمل 5600 سجين.
ويتعلق المرسوم الأول، وفق البيان، بالأشخاص المحكوم عليهم في قضايا القانون العام، وينص على عفو كامل لفائدة 5600 شخص، سواء أكانوا موقوفين أم غير موقوفين، صدرت في حقهم أحكام نهائية، وكانت مدة عقوبتهم، أو ما تبقى منها، تساوي أو تقل عن 24 شهرا.
ويستثنى من هذا الإجراء، وفق البيان نفسه، عدد من الجرائم المصنفة "خطيرة"، من بينها "قضايا الإرهاب والتخريب، والاعتداء على أمن الدولة وسلامة التراب الوطني"، إضافة إلى جرائم "الفساد والقتل".
ويدخل تحت طائلة هذه الاستثناءات ناشطون من فترة "العشرية السوداء"، وايضا رؤساء حكومات ووزراء ورجال أعمال، أدانهم القضاء بعقوبات ثقيلة بالسجن، بناء على تهم "فساد"، ينتمي كلهم إلى فترة حكم الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، وقد أوقفوا بعد استقالة بوتفليقة في 2 أبريل 2019 تحت ضغط الشارع الرافض ترشحه لولاية خامسة.
كما يستثنى أيضا المتورطون في "شبكات إجرامية منظمة، وجرائم السرقة المشددة، والاعتداءات المرتبطة بالأنظمة المعلوماتية، التي تستهدف مؤسسات عمومية أو تابعة للدفاع الوطني"، فضلا عن "الجرائم المتعلقة بالمخدرات والتهريب، والمضاربة غير المشروعة والغش التجاري والصحي"، وفق البيان الرئاسي.
ويشمل هذا الاستثناء فئتين، الأولى تضم أعضاء في تنظيمات مصنفة "جماعات إرهابية"، مثل "حركة تقرير مصير منطقة القبائل"، المعروفة اختصارا بـ"ماك"، وحركة "رشاد" الإسلامية، وقد جرى سجن كثير من المنتمين إلى التنظيمين منذ إدراجهما في "لائحة الإرهاب" عام 2021.
مطالبات بالتهدئة الشاملة والإفراج عن جميع معتقلي الرأي
اما الفئة الثانية، فتضم تجارا ومتعاملين اقتصاديين سجنوا بتهمة "احتكار السلع" بموجب "قانون مكافحة المضاربة غير المشروعة"، الذي سن في ذروة جائحة "كوفيد19".
ولا يشمل العفو جرائم "التمييز وخطاب الكراهية"، وأنشطة "عصابات الأحياء"، وبعض المخالفات الخطيرة المنصوص عليها في قانون السجون.
ويتعلق المرسوم الثاني بالجرائم المرتبطة بالنظام العام، مع التركيز على "الجرائم المعلوماتية"، وتلك المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا هو الإجراء الذي يشمل معتقلي الرأي، شريطة أن تكون أحكام الحبس الصادرة بحقهم نهائية، واستنفدت سبل الطعن القانوني كافة.
تاتي هذه المستجدات في سياق استمرار المطالب الحقوقية والسياسية الداعية إلى الإفراج عن جميع معتقلي الرأي، الذين يصل عددهم إلى 200، وفتح المجال أمام إجراءات تهدئة شاملة "تعزز الثقة، وتدعم مسار الحقوق والحريات في البلاد"، وفق ما ذكره عثمان معزوز رئيس "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية" المعارض، في بيان.
وقال معزوز إن "مئات الأسر تحيي العيد في ظل غياب قسري لأبنائها وآبائها المعتقلين بسبب مواقفهم وآرائهم.. هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في سجلات السجون، بل هم حكايا إنسانية، وجراح غائرة في قلب المجتمع؛ عند كل قضبان أم تنتظر، وأطفال يكبرون في غياب السند"، مشددا على أن "هذا الألم الصامت لا يقتصر على الغرف المغلقة، بل يمتد ليقوض جسور الثقة بين المواطن والدولة".
واضاف معزوز موضحا أن مثل هذه الخطوة، في هذا التوقيت بالذات، "لن تكون ضعفا ولا تنازلا، بل ستكون تعبيرا عن حكمة سياسية وسمو في ممارسة الدولة، فالتاريخ السياسي في الجزائر، كما في غيرها، يعلمنا حقيقة بسيطة: الأزمات لا تحل بالتشدد، بل بقرارات شجاعة تعيد فتح آفاق الحوار".
