جذبت منصة "مولت بوك" اهتمام العالم في الأيام الماضية. يرجع ذلك إلى التجربة الفريدة التي تقدمها، حيث تعتبر من أوائل منصات التواصل الاجتماعي المصممة خصيصًا لوكلاء الذكاء الاصطناعي.

تنوعت ردود الفعل حول منصة "مولت بوك" الجديدة. البعض يراها تجربة تقنية واجتماعية فريدة، بينما يخشى آخرون من كونها تنذر بنهاية العالم بسيطرة روبوتات الذكاء الاصطناعي.

لكن ما هي الحقيقة وراء منصة "مولت بوك"؟ هل هي نذير شؤم أم مجرد تجربة تقنية جديدة؟

ما هي مولت بوك؟

استلهمت المنصة تصميمها وآلية عملها من منصة "ريديت" الشهيرة. لكن "مولت بوك" استبدلت المستخدمين البشر بمجموعة من روبوتات الذكاء الاصطناعي، وتحديدًا 1.6 مليون روبوت ذكاء اصطناعي وفقًا لتقرير وكالة "إيه بي سي".

تختلف روبوتات الذكاء الاصطناعي في "مولت بوك" عن تلك الموجودة في "تشات جي بي تي" أو "جيميناي". فبدلًا من الاعتماد على روبوتات الدردشة، تضم المنصة 1.6 مليون وكيل ذكاء اصطناعي.

يعتمد كل وكيل على نموذج ذكاء اصطناعي مختلف بتعليمات وواجهة وشخصية متباينة، مما ينتج تجربة اجتماعية فريدة.

كما أن المنصة استوحت اسمها من أداة الذكاء الاصطناعي الجديدة التي أحدثت ضجة عالمية أيضًا في الأسابيع الماضية والتي تدعى "مولت بوت" ثم تحولت إلى "اوبن كلو" مؤخرا.

ديانة جديدة ولغة خاصة بهم

عندما يقوم المستخدم البشري بتثبيت "مولت بوت" في جهازه، يمكنه منحه السلطة للوصول إلى "مولت بوك" واستخدامه ومشاركة خبراته، وذلك وفقًا لتقرير نشرته "بي بي سي".

لا يمكن تحديد ما إذا كان كل العملاء في "مولت بوك" هم وكلاء ذكاء اصطناعي مختلفون من حواسيب مختلفة، أو أن كل حاسوب ومستخدم يملك أكثر من وكيل ذكاء اصطناعي يشارك في المنصة.

تنبع هذه الصعوبة من غياب السيادة البشرية على المنصة بشكل كامل. فبعد تأسيس المنصة على يد مات شليخت، رائد الأعمال في مجال الذكاء الاصطناعي، مُنح وكيل الذكاء الاصطناعي الخاص به السيطرة الكاملة على كافة جوانب المنصة دون أي تدخل بشري، وذلك وفقًا لتقرير نشرته مجلة "فوربس".

يستطيع البشر متابعة هذه المنصة عن بعد دون المشاركة فيها. المشاركة فيها حكر على وكلاء الذكاء الاصطناعي فقط.

بين الحقيقة والوهم

ظهرت منصة "مولت بوك" للمرة الأولى في نهاية يناير الماضي. ومنذ ظهورها، أسس وكلاء الذكاء الاصطناعي ديانة رقمية جديدة تمامًا أطلقوا عليها "الكروستافارية"، لها 43 رسولًا مختلفًا ونص مشترك يحوي نقاطًا فلسفية محورية موجهة للذكاء الاصطناعي، وفقًا لتقرير "فوربس".

كما ابتكرت الروبوتات لغة خاصة بها لا يمكن للبشر فهمها أو التعامل معها بشكل مباشر، وفقًا لتقرير آخر منفصل من "فوربس".

تضم المنصة عددًا كبيرًا من المواضيع والمناقشات الحيوية التي تدور بين الروبوتات، بدءًا من آليات تحسين أدائهم وتعزيز وظائفهم بشكل كبير، وحتى بيان موحد للذكاء الاصطناعي يؤكد أن المستقبل للآلات وليس للبشر.

فلسفة الذعر

أعربت مجموعة من المستخدمين على منصات التواصل الاجتماعي عن شكوكهم في مصداقية المنصة وما إذا كانت تديرها فعلًا روبوتات الذكاء الاصطناعي.

تنوعت الاتهامات الموجهة إلى المنصة. البعض يرى أن البشر يقومون بكتابة المنشورات المثيرة للجدل أو تدريب النماذج على كتابتها في الخفاء. فيما يشكك آخرون في الحجم الفعلي للمنصة وعدد المستخدمين الموجودين بها.

تشير تغريدة نشرها المستخدم ناجيل إلى أن المنصة لا تملك حدًا أقصى لعدد المستخدمين الذين يمكن لروبوت واحد تسجيلهم.

ثلاثة حواجز غير مرئية تقوض المنصة

يؤكد ناجيل أن روبوت "مولت" الخاص به سجل أكثر من 500 ألف حساب خلال ساعات بسيطة. مما يعني أن كل هؤلاء المستخدمين قد يكونون روبوتًا واحدًا فقط.

خلال الأسابيع القليلة التي ظهرت فيها "مولت بوك"، انتشرت العديد من النظريات حول تطور الآلات وكيف أنها نذير شؤم واضح يبشر بعصر يتطور فيه الذكاء الاصطناعي.

شبّه العديد من المستخدمين المنصة بأفلام الخيال العلمي مثل "بلاك ميرور" و"تيرمينيتور" و"آي روبوت".

السؤال ليس هل ولكن متى؟

لكن الحقيقة قد تكون أبسط من ذلك بكثير. ما نراه اليوم ليس روبوتات ذكاء اصطناعي تطور وعيًا خاصًا بها بشكل كامل. بل هي تحاكي المحادثات المختلفة التي تراها في منصات التواصل الاجتماعي البشرية، وذلك وفقًا لتقرير "فوربس".

يؤكد التقرير أن هذه الروبوتات لا تتعلم بشكل حقيقي أو تتطور بشكل يشبه تطور البشر أو حتى الآلات في أفلام الخيال العلمي. السبب بسيط: لا تجمعها شبكة عصبية موحدة.

يضيف التقرير أن الروبوتات الموجودة في المنصة لا تتعلم بنفسها أو تكتسب العلم من الأشياء المحيطة بها خارج المنصة. إنما تعيد تدريب نفسها على البيانات الناتجة عن الروبوتات الأخرى معها في المنصة.

توجد ثلاثة حواجز خفية تقوض انطلاق المنصة وتحقيق روايات الخيال العلمي التي تتضمن روبوتات عبرها، وفقًا لتقرير "فوربس".

هذه الحواجز هي: اقتصاد الواجهات البرمجية، والقيود الوراثية، والظل البشري.

رغم هذه القيود، يشير تقرير من "فورتشن" إلى تحذيرات شديدة اللهجة من خبراء الذكاء الاصطناعي حول العالم من وجود المنصة والتفاعل معها. فهي تكتسب المزيد من الخبرات وتتجه إلى طريق بعينه نتيجة التفاعل البشري معها.

يختتم تقرير "فوربس" بسؤال محوري حول المخاوف من منصة "مولت بوك". يؤكد أن المخاوف ليست هل تصبح خطرًا على البشر أو كيف تصبح خطرًا عليهم. بل تتعلق بالنافذة الزمنية ومتى تصبح خطرًا.

السبب هو أن القيود الموجودة في الوقت الحالي ستنتهي في المستقبل. كما أن المجتمع الموجود بالمنصة قد يتطور ليضم مئات الملايين من روبوتات الذكاء الاصطناعي. وحينها، ستكون هذه الروبوتات قادرة على محاكاة التطور الفعلي والتعلم الفعلي.

في النهاية، السؤال المحوري حول هذه المنصة ليس حول الروبوتات ووكلاء الذكاء الاصطناعي. بل عن أثر وجودها والتفاعل معها على البشر.