أعلن المغرب عن رهانه الاستراتيجي على الذكاء الاصطناعي لتحفيز النمو الاقتصادي. يستهدف المغرب إضافة 100 مليار درهم (11 مليار دولار) إلى الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2030 وتوفير 50 ألف وظيفة. كما يهدف إلى برنامج لتدريب 200 ألف موهبة رقمية.
يعتمد هذا الطموح على ثلاث ركائز مترابطة. وهي طاقة متجددة منخفضة التكلفة توفر مزايا تشغيلية لمراكز البيانات وبنية تحتية رقمية سيادية. بالإضافة إلى رأسمال بشري شاب يتم تأهيله على نطاق واسع.
تضع المعطيات الواقعية هذا الطموح أمام تحديات حقيقية لتنفيذ مشاريع كبيرة. من أهمها مشروع مركز بيانات ضخم بقدرة 500 ميغاواط في مدينة الداخلة ذات الواجهة البحرية الأطلسية.
الجدوى الاقتصادية للذكاء الاصطناعي في المغرب
يهدف المغرب إلى تحويل الذكاء الاصطناعي من مجرد تقنية مبتكرة إلى محرك اقتصادي قادر على تحقيق أرباح ملموسة.
يرى الخبير في تحليل البيانات يوسف سعود أن الجدوى الاقتصادية هنا تتجاوز التوفير التقليدي لتصل إلى "إعادة هيكلة كلفة المعالجة". أوضح أن الاتحاد الأوروبي يواجه ارتفاعا في كلفة الكهرباء الصناعية. يتجاوز 160 دولارا للميغاواط/ساعة. بينما يقدم المغرب طاقة متجددة تقل تكلفتها عن 50 دولارا.
أضاف سعود أن هذا الفارق السعري يرفع هامش الربح الصافي. وأشار إلى أن تقنية "التبريد الطبيعي" المتوفرة في مدينة الداخلة تخفض معامل كفاءة استهلاك الطاقة إلى 1.1 (المتوسط العالمي ما بين 1.6 و1.8). مما يقلل استهلاك التبريد بنسبة 40% مقارنة بمراكز عالمية.
يؤكد المحلل الاقتصادي أمين سامي أن رياح الداخلة لن تصبح ميزة تنافسية ما لم تتحول إلى منصة طاقة رقمية متكاملة. وذلك بشرط توفير ربط كهربائي قوي واحتياطي لضمان الاستدامة وتقليل الوقت الذي تستغرقه البيانات لتخرج من المنظومات المحلية في المغرب لتصل إلى دولة أخرى ثم يعود الرد منها.
ميزانية التحول الرقمي في المغرب
خُصصت ميزانية تبلغ 11 مليار درهم (1.2 مليار دولار). لتنفيذ استراتيجية التحول الرقمي للفترة بين عامي 2024 و2026. تغطي مبادرات الذكاء الاصطناعي والتوسع في إقامة البنية التحتية للألياف الضوئية.
حول مدى كفاية المخصصات المالية لاستراتيجية التحول الرقمي. أوضح المستشار في تكنولوجيا المعلومات والتحول الرقمي أمين سنوني أن هذه الميزانية تبقى معتبرة مقارنة مع ميزانيات سابقة.
يؤكد سنوني أن المغرب لا تهدف لمنافسة أمريكا (التي تستثمر 500 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي) أو الصين أو الاتحاد الأوروبي (أكثر من 50 مليار دولار لكل منهما) في تصنيع المعالجات. بل إلى تطوير "منظومة التمكين" عبر ثلاث روافع. وهي البنية التحتية وتقوية المهارات والبحث والابتكار.
يضيف سنوني أن ذلك يمنح المغرب "تموقعا أوليا" يسمح له بتحسين ترتيبه العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي.
الاستثمار الفوري في الذكاء الاصطناعي
يمتلك المغرب بيانات ضخمة جاهزة للاستثمار الفوري من قبل الذكاء الاصطناعي وتحويل قطاعات الاقتصاد المغربي إلى منظومات أكثر كفاءة وربحية.
يشير سعود إلى أن قطاع الاتصالات في المملكة (يضم 56 مليون مشترك) والقطاع المالي يولدان الملايين من "نقاط البيانات" التي يمكن للذكاء الاصطناعي تحليلها لتحسين الشبكات من جهة وتقليل المخاطر الائتمانية بنسبة 25%.
يضيف خبير البيانات أنه يمكن استخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي يوفر عدد من المزايا الاقتصادية. ومنها منح أصحاب المتاجر خيارات ذكية تقترح على زبائن المتاجر منتجات إضافية تعجبهم أثناء التسوق مما يشجع على شراء المزيد. كما يتيح الذكاء الاصطناعي للعاملين في القطاع السياحي التنبؤ بزخم أعداد الزوار وضبط أسعار الغرف الفندقية والعروض السياحية ما يزيد الإيرادات بنسبة تتراوح بين 10% و15% في ذروة الموسم.
حسب المتحدث نفسه فإن موقع المغرب يغري شركات عالمية تبحث عن طاقة مستمرة ومنخفضة التكلفة للهروب من "ضرائب الكربون" في أوروبا.
رأسمال بشري مؤهل للذكاء الاصطناعي
يهدف المغرب إلى توفير 50 ألف وظيفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتدريب وتأهيل 200 ألف موهبة بهذا القطاع بحلول عام 2030. لكن ذلك يبدو مرهونا بشروط ويواجه تحديات.
يعتبر أمين سنوني -وهو يدرس مادة علوم المعلومات والبيانات- أن الرقم المستهدف للتكوين قابل للتحقيق. استنادا إلى تجربة سابقة رفعت عدد المكوَّنين سنويا من 14 ألفا إلى 100 ألف في مجال الرقميات. مبرزا أن وجود نواة جامعية وتكوينية إضافة إلى شبكة معاهد ومراكز بحث بشراكات دولية يجعل بلوغ السقف ممكنا تقنيا.
لكن التحدي الحقيقي. كما يوضح سنوني. لا يكمن في التدريب فقط. بل في الاحتفاظ بالكفاءات. فبدون ظروف عمل محفزة وأجور تنافسية ومشاريع ابتكارية سيستمر نزيف الأدمغة.
شراكة دولية لتطوير الذكاء الاصطناعي
أطلق المغرب مشروع "معاهد الجزري". وهو شبكة لمراكز إقليمية للتميز في مجال الذكاء الاصطناعي علاوة على مركز "جزري روت" في الرباط ليكون المحور الرئيسي والمحرك لهذه الشبكة.
كما وقع المغرب اتفاقية شراكة مع شركة "ميسترال" الفرنسية لدعم تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي. هادفا إلى لتحول في المستقبل إلى مركز تفوق في مجال الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات.
يؤكد أمين سامي أن هذه الشراكة تسعى إلى تسريع بناء ذكاء اصطناعي مغربي بخصوصية وطنية عبر نقل القدرات التقنية وليس مجرد البرمجيات. وذلك عبر مشاريع إستراتيجية مثل مشروع "ميسترال" لتطوير أدوات توليدية ومشروع "وان بوان" لإنشاء مركز امتياز للبيانات والذكاء الاصطناعي.
يبرز أن الهدف ليس استخدام حلول جاهزة. بل إنشاء سلسلة تصنيع محلية متكاملة تشمل التصميم والتدريب والضبط والنشر والتدقيق مدعومة بمراكز بيانات سيادية في الداخلة.
