في خضم الحماسة المتزايدة حول الذكاء الاصطناعي، بدات الاسواق تظهر علامات قلق، تشبه في نظر الكثيرين، تكرار لفقاعة الانترنت قبل نحو ربع قرن مضى.
هذا ما اشارت اليه مجلة ايكونوميست، التي ترى ان السؤال الان لم يعد كيف نستفيد من طفرة الذكاء الاصطناعي، بل كيف يمكن حماية المحافظ الاستثمارية في حال انفجرت هذه الفقاعة.
وترى المجلة ان السؤال الاساسي هو كيفية حماية الاستثمارات من المخاطر المحتملة التي قد تنجم عن هذه الطفرة التكنولوجية.
انفاق ضخم وتراجع الثقة
بينت ايكونوميست ان ثقة المستثمرين بدات تتراجع في الوقت الذي تستعد فيه كبرى شركات التكنولوجيا لانفاق مبالغ ضخمة وغير مسبوقة، فخلال اسبوعين فقط، اعلنت كل من الفابت وامازون وميتا ومايكروسوفت عن خطط انفاق مشتركة على الذكاء الاصطناعي تصل الى حوالي 660 مليار دولار خلال عام واحد.
واضافت المجلة ان هذه الارقام، التي كانت كفيلة باحداث موجة صعود في الاسهم قبل عام، باتت اليوم تقابل بشك وريبة، حيث تراجعت اسعار اسهم الشركات الاربع عقب الاعلانات، وارتفع سهم ميتا بشكل مؤقت قبل ان يعود الى الهبوط، في حين فقد سهم مايكروسوفت حوالي 18% من قيمته.
واوضحت المجلة ان هذا التردد يعكس واقعا اوسع، فالاسهم، خاصة في امريكا، اصبحت مرتفعة التقييم مقارنة بالارباح، وهو ما يعني ان العوائد المتوقعة اقل والخسائر المحتملة في حال التصحيح اكبر.
الملاذات التقليدية تفقد بريقها
توضح ايكونوميست ان المشكلة لا تقتصر على الاسهم فقط، بل تمتد الى ادوات التحوط نفسها، فالذهب، الذي لطالما اعتبر ملاذا امنا، شهد تقلبات حادة في الاسابيع الاخيرة، وكذلك البيتكوين التي ينظر اليها كملاذ رقمي، وهذا التذبذب يجعل مهمة التحوط اكثر تعقيدا في وقت يحتاج فيه المستثمرون الى حماية اكبر.
وقالت المجلة ان بيع الاسهم بالكامل ليس خيارا واقعيا لمعظم مديري الاصول المحترفين، اذ تقيدهم تفويضات استثمارية صارمة، كما ان الاحتفاظ بالسيولة قد يعرضهم لغضب العملاء.
وحذرت ايكونوميست من ان حتى المستثمر الفردي قد يرتكب خطا اذا خرج مبكرا من السوق، مستشهدة بتجربة فقاعة الانترنت حين ارتفعت مؤشرات التكنولوجيا اضعافا قبل الانهيار النهائي.
السندات لم تعد درعا مضمونا
في الماضي، كان الجمع بين الاسهم والسندات يوفر حماية فعالة، فبين عامي 1995 و2000، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الامريكية بحوالي 50%، ثم واصلت الصعود مع انهيار الاسهم.
بينت ايكونوميست ان هذا النمط لم يعد مضمونا، ففي عام 2022، هبطت الاسهم والسندات معا بفعل التضخم وارتفاع اسعار الفائدة.
واضافت المجلة ان سيناريو مشابها قد يتكرر اذا عاد التضخم للارتفاع او اذا اثارت سياسات امريكا المالية، بما في ذلك تقلبات صنع القرار في عهد الرئيس الامريكي دونالد ترمب، شكوكا حول استدامة الديون العامة، وهو ما قد يضع الاسهم والسندات في مرمى الخسائر في ان واحد.
المشتقات والتحوط المكلف
تناولت ايكونوميست خيار التحوط عبر المشتقات، وخاصة عقود الخيارات، فشراء عقود البيع يتيح للمستثمر تحديد سقف للخسائر، ولكن بثمن.
واشارت المجلة الى ان حماية استثمار في مؤشر ستاندرد اند بورز 500 من خسارة تتجاوز 10% خلال عام واحد تكلف حاليا حوالي 3.6% من قيمة الاستثمار.
واكدت المجلة ان هذه التكلفة، عند تكرارها، قد تلتهم جزءا كبيرا من العوائد، وفق ما اظهرت دراسات لبنك غولدمان ساكس قارنت استراتيجيات مختلفة خلال انفجار فقاعة الانترنت.
مفارقة التحوط بالاسهم
وختمت ايكونوميست الى ان انجح استراتيجيات التحوط تاريخيا لم تعتمد على الخروج من الاسهم، بل على اختيار انواع مختلفة منها.
واوضحت ان المؤشرات التي تركز على الاسهم الاقل تقلبا، او الشركات التي توزع ارباحا مستقرة منذ عقود، او اسهم الجودة ذات الميزانيات القوية، قدمت حماية افضل نسبيا مع الحفاظ على عوائد معقولة.
وفي زمن تهيمن عليه فقاعة الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه النتيجة غير مرضية نفسيا، لكنها، وفق ايكونوميست، قد تكون الخيار الاكثر واقعية، فحين تضيق بدائل التحوط، يبقى الرهان على انتقاء الاسهم بحذر، لا الهروب منها، احد السبل القليلة المتاحة امام المستثمرين وهم يراقبون فقاعة تبدو مهياة للانفجار.
