بدأت المملكة العربية السعودية خلال الاشهر الاخيرة تطبيق تغيير محدود وحذر على واحدة من اكثر السياسات الاجتماعية حساسية، وذلك عبر السماح لفئة محددة من المقيمين الاجانب غير المسلمين بشراء المشروبات الكحولية بشكل قانوني داخل العاصمة الرياض، بعد حظر استمر اكثر من سبعة عقود.

 

ويجري هذا التحول بعيدا عن الاضواء ومن دون اعلان رسمي، في اطار مقاربة تدريجية تعكس حرص السلطات على الموازنة بين متطلبات الانفتاح الاقتصادي والحفاظ على الخصوصية الدينية والاجتماعية للمجتمع السعودي.

 

متجر في حي دبلوماسي راق

 

داخل الحي الدبلوماسي في الرياض، المعروف بطابعه الهادئ ومجمعاته السكنية الراقية التي تضم سفارات ومساكن للاجانب، يعمل متجر صغير غير لافت للنظر كموقع تجريبي لسياسة جديدة تسمح ببيع الكحول بشكل مقنن ومحدود.

 

وكان المتجر قد افتتح للمرة الاولى مطلع عام 2024، مع اقتصار الشراء حينها على الدبلوماسيين غير المسلمين فقط. الا ان القواعد تغيرت بهدوء في نهاية عام 2025، لتشمل فئة جديدة من المقيمين الاجانب الاثرياء غير المسلمين.

 

من هم المؤهلون للشراء

 

بحسب الالية المعتمدة، يسمح بالشراء فقط للمقيمين الذين يحملون تصريح الاقامة المميزة، وهو برنامج مخصص لفئات عالية الدخل من المستثمرين وكبار التنفيذيين والمهنيين المتخصصين، وتبلغ كلفته السنوية مئة الف ريال سعودي، او لمن يثبت دخله الشهري بما لا يقل عن خمسين الف ريال.

 

ويطلب من الراغبين بالشراء ابراز بطاقة الاقامة التي تتضمن معلومات عن الديانة والوضع القانوني، كما يطلب من غير حاملي الاقامة المميزة تقديم شهادة راتب او خطاب رسمي من جهة العمل. ولا يسمح للسياح الاجانب بدخول المتجر في الوقت الحالي.

 

اجراءات امنية مشددة وتجربة شراء مضبوطة

 

يخضع دخول المتجر لاجراءات امنية صارمة، تشمل تسليم الهواتف المحمولة ووضعها في اكياس خاصة لمنع التصوير، مع السماح بالدخول وفق نظام منظم رغم الطوابير التي قد تمتد لاكثر من ساعة في بعض الاوقات.

 

ويؤكد عدد من المشترين، الذين تحدثوا بشرط عدم الكشف عن هوياتهم، ان عملية الشراء تتم بسلاسة نسبيا بعد الدخول، وان النظام يعتمد على حصة شهرية بنقاط تسمح بشراء كميات محددة لكنها تعتبر سخية مقارنة بالسوق غير الرسمي.

 

اسعار مرتفعة مقارنة بالاسواق العالمية

 

وصف بعض المغتربين الاوروبيين المتجر بانه مجهز بشكل جيد، مع توفر تشكيلة من البيرة والنبيذ والمشروبات الروحية، لكن باسعار اعلى بمرتين الى ثلاث مرات من نظيراتها في الاسواق الغربية، وان كانت اقل بكثير من اسعار السوق السوداء داخل المملكة.

 

واشار مدير تنفيذي في شركة بريطانية الى ان سعر زجاجة من الويسكي المستورد تجاوز مئة وعشرين دولارا، مؤكدا ان السعر المرتفع لا يشكل عائقا في ظل توفر خيار قانوني وامن.

 

سياسة غامضة ومقصودة

 

لم تصدر الحكومة السعودية اي بيان رسمي حول هذا التغيير، ويقول مشترون انهم علموا بالامر عبر التناقل الشفهي، كما ان اسم المتجر لا يظهر على الخرائط الالكترونية، في مؤشر على ان الغموض المحيط بالسياسة الجديدة مقصود.

 

ويرى محللون ان السلطات تتعامل بحذر شديد مع هذا الملف، باعتباره قضية شديدة الحساسية في مجتمع محافظ، حيث يشكل الالتزام الديني عاملا مركزيا لدى غالبية السكان.

 

الكحول بين الحظر والواقع غير المعلن

 

رغم الحظر الرسمي المفروض منذ عام 1952، كان استهلاك الكحول موجودا لسنوات طويلة بعيدا عن المجال العام، سواء داخل مجمعات سكنية مغلقة او في مناسبات خاصة، او عبر منتجات منزلية الصنع وكميات مستوردة بطرق غير رسمية.

 

وكانت السفارات تتمتع بحق استيراد المشروبات الكحولية ضمن امتيازاتها الدبلوماسية، فيما اعتمد اخرون على السوق السوداء التي اتسمت بارتفاع الاسعار وغياب الرقابة.

 

الاقتصاد اولا خلف التغيير الهادئ

 

يتزامن هذا التحول مع ضغوط اقتصادية متزايدة تواجهها المملكة، في ظل تراجع اسعار النفط مقارنة بمستوياتها المرتفعة في عام 2022، وما يرافق ذلك من انخفاض الايرادات العامة.

 

وتسعى السعودية ضمن رؤية 2030 الى جذب مزيد من الاستثمارات الاجنبية والعمالة عالية المهارات، وتطوير قطاعات غير نفطية مثل السياحة والترفيه والتكنولوجيا والتصنيع، ما يتطلب بيئة اقامة اكثر جاذبية للاجانب.

 

السياحة في قلب الحسابات

 

يعد قطاع السياحة احد ركائز التحول الاقتصادي في المملكة، حيث استقبلت السعودية نحو ثلاثين مليون زائر دولي في عام 2024، مع تسجيل ارتفاع لافت في السفر غير الديني. وتسعى الرياض لرفع هذا الرقم الى سبعين مليون زائر بحلول عام 2030.

 

كما تستعد المملكة لاستضافة فعاليات عالمية كبرى مثل اكسبو 2030 وكاس العالم لكرة القدم 2034، ما يعزز التكهنات حول احتمال توسيع نطاق السماح ببيع الكحول مستقبلا، ولو ضمن اطار محدود في المناطق السياحية والفنادق الكبرى.

 

هل يتوسع السماح مستقبلا

 

تشير تقارير اعلامية الى خطط محتملة لافتتاح متاجر اضافية في مدن مثل جدة والظهران، مع الابقاء على نفس شروط الاهلية. وفي الوقت ذاته، بدأت بعض مجموعات الضيافة الاستعداد لاحتمالات مستقبلية، عبر توظيف كوادر تمتلك خبرة في مجال المشروبات دون الاعلان الصريح عن تقديمها.

 

ويرى خبراء ان السعودية لن تتبنى نموذجا منفتحا بالكامل على غرار دبي، بل قد تسير في اتجاه مقيد يشبه النموذج القطري، حيث يسمح بالكحول فقط في اماكن محددة وتحت ضوابط صارمة.

 

خطوات محسوبة لتجنب الصدام المجتمعي

 

يؤكد محللون ان السلطات تسعى الى تهيئة المجتمع تدريجيا لاي تغييرات محتملة، مع تفادي اي رد فعل اجتماعي حاد، خاصة ان الكحول لا يزال يشكل محظورا اجتماعيا واسعا داخل المملكة.

 

وفي الوقت الذي يتوجه فيه العديد من السعوديين والمقيمين الى دول مجاورة مثل البحرين للحصول على المشروبات الكحولية، يبقى هذا الملف من اكثر القضايا حساسية وتعقيدا في مسار التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها السعودية.