أ. د. ليث كمال نصراوين
شكّلت جريمة القتل المروّعة التي راحت ضحيتها فتاة أردنية على يد شقيقها، والذي ثبت تعاطيه للمواد المخدرة، صدمة عميقة في الرأي العام، وأعادت إلى الواجهة الحاجة الملحّة لمراجعة مستوى الحماية القانونية التي توفّرها التشريعات الأردنية للأسر التي تواجه حالات مشابهة. فهذه الجريمة لم تقتصر دلالاتها على كونها مأساة إنسانية، بل كشفت عن خلل بنيوي في المنظومة القانونية، يتمثل في الفجوة القائمة بين الطابع العلاجي للتشريعات الناظمة لقضايا المخدرات، وبين غياب أدوات وقائية قادرة على التدخل المبكر لحماية أفراد الأسرة من الأخطار المحتملة.
إن السلوك الإجرامي المرتبط بتعاطي المواد المخدرة غالبا ما يمتاز بالمباغتة والعنف المفرط، بسبب غياب الوعي وفقدان السيطرة، الأمر الذي يجعل الضحية في حالة عجز تام عن الدفاع عن نفسها. وهو ما يفرض على المشرع الأردني إعادة النظر في الإطار القانوني القائم، والانتقال من الاكتفاء بالمعالجة اللاحقة للجريمة إلى تبنّي مقاربة وقائية توازن بين العلاج والحماية، وتمنح الجهات المختصة سلطات استباقية درءا للخطر قبل تحوّله إلى جريمة مكتملة الأركان.
إن القانون الجزائي لم يعتبر الإدمان سببا مشروعا لانتفاء المسؤولية الجزائية، ولم يقرر إعفاء الجاني من العقوبة متى ثبت أن تعاطيه للمادة المخدرة قد تم باختياره وإرادته الحرة، إلا أن التركيز على المسؤولية القانونية بعد وقوع الجريمة يبقى معالجة متأخرة، إذا ما قورن بالحاجة الملحة للبحث في المرحلة التي تسبق ارتكاب الفعل الجرمي، وهي المرحلة التي يكون فيها الخطر قائما دون أن تملك الأسرة أدوات تشريعية فاعلة تُمكّنها من طلب الحماية أو تتيح للجهات المختصة التدخل الوقائي لإنقاذها من عنف المخدرات.
وقد تبنى قانون المخدرات والمؤثرات العقلية نهجا علاجيا رصينا، فاعتبر الإدمان حالة مرضية تستوجب العلاج، وأجاز استبدال العقوبة بإجراءات علاجية، كما شجع المدمن وأسرته على التقدم بطلب العلاج دون ملاحقة جزائية أو قيد أمني، غير أن هذا النهج لا يُفعّل الحماية القانونية تلقائيا، إذ تبقى الاستفادة منه مشروطة بمبادرة المدمن أو أسرته بطلب العلاج، دون النص على إمكانية التدخل الوقائي المباشر لحماية الأسرة من خطر الإدمان المتصاعد.
وهذا الإطار القانوني يثير تساؤلات جدية حول صلاحية الجهات المختصة للتدخل لمجرد ثبوت الإدمان أو ظهور سلوكيات عدوانية داخل منازل الأردنيين، إذ لا يتيح القانون هذا التدخل إلا إذا بادرت الأسرة نفسها بطلب العلاج، وهي خطوة لا تخلو من مخاطر اجتماعية تتمثل في وصمة العار، والإدانة المجتمعية، والخوف من انكشاف الخصوصية الأسرية، مما يجعل الأسرة أسيرة الصمت الذي قد يؤدي في نهاية المطاف إلى نتائج كارثية لا تحمد عقباها.
وتزداد الإشكالية تعقيدا عند النظر إلى قانون الحماية من العنف الأسري، الذي يقوم في جوهره على التدخل بعد وقوع العنف أو عند وجود تهديد مباشر ومحدد به، أو بناء على بلاغ رسمي، أما مجرد تعاطي المخدرات دون علم الجهات الأمنية، أو وجود سلوكيات عدوانية لم تُترجم بعد إلى أفعال عنف مثبتة، فلا يشكّل سببا قانونيا مستقلا لتفعيل أوامر الحماية. وبذلك، فإن قانون الحماية من العنف الأسري يظل قانونا استجابيا أكثر منه وقائيا، مما يضع الأسرة أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما أن تتقدم بشكوى رسمية قد تمزق نسيجها، وإما أن تبقى في دائرة الخطر معرضة لعنف محتمل قد يقع في أي لحظة.
وهنا تتجلى فجوة تشريعية مزدوجة؛ فقانون المخدرات والمؤثرات العقلية لا يُفعّل الحماية إلا بعد تقديم طلب العلاج، وقانون الحماية من العنف الأسري لا يتدخل إلا بعد وقوع العنف. وبين هذين المسارين، تبقى حالات الإدمان الخطرة خارج نطاق الوقاية القانونية، رغم ما تحمله من تهديد حقيقي للأمن الأسري. وهو ما يفرض إعادة النظر في مدى كفاية الآليات القانونية الحالية للتعامل مع العنف المرتبط بالمخدرات، خاصة في الحالات التي يكون فيها الخطر معروفا للأسرة ومحيطها، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة الجريمة المكتملة الأركان.
من هنا، تبرز الحاجة إلى تطوير تشريعي يمنح الجهات المختصة صلاحيات التدخل المبكر عند توافر مؤشرات خطر جدية، وذلك من خلال أوامر حماية ذات طابع علاجي، أو فرض إلزامية التقييم النفسي والسلوكي، قبل أن تصل الحالة إلى مستوى الجريمة الجزائية. فالتقدم بطلب علاج المدمن يجب ألا يبقى الأداة الوحيدة للحماية، بل ينبغي أن يكون جزءا من منظومة وقائية متكاملة، توازن بين حق المدمن في العلاج وحق الأسرة في الشعور بالأمان على نفسها وسلامة بدنها.
كما أن تحميل الأسرة وحدها عبء المبادرة، دون تمكين الجهات المختصة من التدخل عند ظهور الخطر، يفرغ السياسة الجنائية الوقائية من مضمونها، ويتنافى مع الفلسفة التشريعية التي تبناها المشرع الأردني، لا سيما فيما يتعلق بإعفاء المتعاطي للمرة الأولى من القيود الأمنية، وهي المسألة التي تتصاعد حولها اليوم نقاشات شعبية وقانونية تطالب بإعادة النظر فيها أو تقييدها بضمانات تحقق التوازن بين العلاج والحماية، وضمان عدم استغلال هذا الإعفاء كغطاء يستمر من خلاله المتعاطي في تهديد استقرار أسرته ومجتمعه.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
