بقلم: اسامه عادل الجراح
لم يُبنَ الأردن في تاريخه الحديث على المغامرة، ولا على المراهنات غير المحسوبة، بل تشكّل عبر عقود على أساس قراءة دقيقة للواقع، واستشراف واعٍ للمخاطر، وبناء مؤسسات قادرة على الصمود والتكيّف. وفي مقدمة هذه المؤسسات، تقف القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، بوصفها الدرع الحصين للدولة، وصمام الأمان في محيط إقليمي لا يعرف الاستقرار.
من هذا السياق، تأتي رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة، اللواء الركن يوسف أحمد الحنيطي، بتوجيه إعداد استراتيجية شاملة لإعادة هيكلة وتحديث القوات المسلحة خلال السنوات الثلاث المقبلة. وهي رسالة لا يمكن قراءتها كإجراء إداري أو تنظيمي عابر، بل كوثيقة سياسية – أمنية تعكس فهم الدولة العميق للتحولات الجيوسياسية المقبلة، وتؤكد أن الأردن لا ينتظر التهديدات حتى تطرق أبوابه.
الجيش كعقيدة دولة لا كمؤسسة تقليدية
تاريخيًا، لم يتعامل الأردن مع جيشه بوصفه مجرد قوة عسكرية، بل باعتباره مؤسسة وطنية متجذّرة في وجدان الدولة والمجتمع، تحمل عقيدة دفاعية واضحة قوامها حماية السيادة، وضمان الاستقرار، والوقوف في الصفوف الأولى عند الأزمات. هذه العقيدة هي ما منح الجيش العربي قدرته على الصمود رغم محدودية الموارد، والتفوّق رغم تعقيد الجغرافيا السياسية المحيطة.
رسالة الملك تعيد التأكيد على هذه الحقيقة، لكنها في الوقت ذاته تنقل المؤسسة العسكرية من منطق “الحفاظ على الجاهزية” إلى منطق “التحول البنيوي”، بما يتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة، وتغير بيئات العمليات، وتسارع التطورات التكنولوجية.
توقيت القرار… قراءة دقيقة لمشهد مضطرب
لا يمكن فصل هذا التوجيه عن السياق الإقليمي والدولي. المنطقة تقف على أعتاب تحولات كبرى: صراعات مفتوحة، توازنات تتبدل، حروب غير تقليدية، وتكنولوجيا تعيد تعريف مفهوم القوة والردع. في مثل هذا المشهد، تصبح الجيوش التي لا تُحدّث عقيدتها وبناها عرضة للتجاوز، مهما كان تاريخها أو حجمها.
الأردن، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، يدرك أن الاستقرار ليس معطى دائمًا، بل نتيجة استعداد دائم. ومن هنا، فإن إعادة الهيكلة ليست رد فعل، بل خطوة استباقية تعكس عقل دولة ترى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة.
من التحديث إلى الاستدامة الدفاعية
ما يلفت في التوجيهات الملكية هو التركيز على “التحول البنيوي” لا “التحديث الشكلي”. فالحديث عن إعادة هيكلة، وملاءمة القوات المسلحة لبيئات قتال متنوعة، واستيعاب أساليب الحرب الحديثة، يعني أن الهدف ليس فقط اقتناء أدوات جديدة، بل إعادة التفكير في الهيكل، والعقيدة، وآليات اتخاذ القرار، وبناء القدرات البشرية.
هذا النهج يتسق مع ما يشهده العالم من انتقال من الجيوش الثقيلة إلى الجيوش الذكية، ومن الحروب التقليدية إلى حروب التكنولوجيا، والمعلومات، والمرونة العملياتية. وهو انتقال لا يتحقق إلا عبر تخطيط طويل الأمد، واستثمار في الإنسان قبل السلاح.
الجيش… ضمانة الاستقرار في زمن التحولات
في دولة مثل الأردن، لا يمكن فصل الأمن عن التنمية، ولا الاستقرار عن القدرة على الردع. والمؤسسة العسكرية، حين تكون قوية ومحدثة، لا تحمي الحدود فقط، بل تخلق بيئة داخلية مستقرة تسمح للاقتصاد والسياسة والمجتمع بالعمل دون خوف من الانهيار.
من هنا، فإن هذه الخطوة تعزز رسالة طمأنة للداخل، ورسالة وضوح للخارج: الأردن دولة تعرف حجمها، وتعرف مخاطر محيطها، وتملك من الحكمة ما يجعلها تُحسن الاستعداد بدل الانجرار.
رسالة جلالة الملك إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة ليست مجرد توجيه عسكري، بل تعبير صريح عن فلسفة الدولة الأردنية في إدارة أمنها الوطني: عقلانية، استباقية، ومبنية على الثقة بالمؤسسات والكوادر الوطنية.
وفي زمن تتغير فيه قواعد اللعبة الإقليمية، يثبت الأردن مرة أخرى أنه لا يراهن على الحظ، بل على التخطيط، ولا يراهن على الخطاب، بل على بناء قوة محترفة قادرة على حماية الوطن، اليوم وغدًا.
