يضع الكاتب ماهر ابو طير، الاردن في قلب سؤال اقليمي خطير يتجاوز الهدوء الظاهر في عمان، ويتعلق بما اذا كانت المملكة قادرة فعلا على البقاء خارج تداعيات حرب كبرى محتملة ضد ايران، في ظل اشتعال الجبهات من حولها وتسارع الاحداث العسكرية والسياسية.
ويشير ابو طير، في مقال، الى ان الهدوء الداخلي لا يعني الغياب عن المشهد، بل ربما يخفي واقعا اكثر تعقيدا، فالجغرافيا السياسية تفرض نفسها، والاردن بحكم موقعه لا يستطيع ان يكون متفرجا في حرب اقليمية واسعة بهذا الحجم.
الحاجة الى خطاب رسمي صريح
ويرى الكاتب ان المرحلة الراهنة تتطلب خطابا رسميا مختلفا، لا يقتصر على التطمينات العامة، بل يقوم على شرح تفصيلي للناس حول طبيعة المخاطر المحتملة، وكيفية استعداد الدولة لاي ظروف طارئة، سواء على الصعيد العسكري او الخدمي او الاقتصادي.
ويؤكد ان الحديث مع المواطنين يجب ان يشمل ادارة الحياة اليومية في حال توسعت الحرب، من خدمات وطاقة وامدادات، لان الغموض في مثل هذه اللحظات يفتح الباب امام الشائعات ويضاعف القلق العام.
سماء الاردن في قلب المواجهة
ويستعيد ابو طير تجربة الضربات الايرانية السابقة، حين تحولت سماء الاردن الى ممر للصواريخ، وسقط بعضها داخل الاراضي الاردنية، في مشهد كشف ان المملكة ليست بعيدة عن خطوط النار كما قد يعتقد البعض.
ويكشف الكاتب ان الاردن ابلغ ايران رسميا عبر وزير الخارجية رفضه استخدام اجوائه في اي رد عسكري على اسرائيل، مقترحا مسارات بديلة عبر العراق، الا ان هذا الطلب لم يحظ بالاستجابة، باعتبار ان المنطقة باتت ساحة حرب مفتوحة.
ويعتبر ابو طير ان هذا التجاهل يعكس تصنيفا سياسيا غير معلن للاردن باعتباره طرفا مناوئا للمشروع الايراني، وما يحمله ذلك من تبعات على استقرار المملكة والمنطقة ككل.
اتصالات خلف الكواليس وصفقة محتملة
ويتحدث الكاتب عن معلومات متداولة تفيد بوجود اتصالات سرية بين واشنطن وطهران، في محاولة لاحتواء التصعيد والوصول الى صفقة سياسية خلف الضجيج الاعلامي، في وقت تحذر فيه دول عربية واقليمية من ان اي ضربة عسكرية قد تفجر حربا لا يمكن السيطرة على مسارها.
وبحسب ابو طير، فان هذه الدول ترى ان تشديد العقوبات او فتح مسار المصالحة اقل كلفة من مواجهة عسكرية شاملة، خصوصا في ظل هشاشة الاقليم وتشابك الجبهات.
مؤشرات حرب طويلة لا ضربة عابرة
في المقابل، يلفت الكاتب الى ان الحشود العسكرية الاميركية في المنطقة لا توحي بضربة محدودة او حرب خاطفة، بل تشير الى استعدادات لحرب طويلة، وهو ما ابلغت به واشنطن الجانب الاسرائيلي صراحة.
ويضيف ان ايران من جهتها تلوح بحرب شاملة تطال المنطقة باسرها، مع تصريحات رسمية تؤكد ان اي مواجهة مقبلة ستكون اشد واقسى من حرب الاثني عشر يوما التي وقعت في حزيران، ما يعزز سيناريو التصعيد الواسع.
اسرائيل وتخفيف الكلفة
ويرى ابو طير ان اسرائيل تحاول ادارة المواجهة مع ايران بطريقة تقلل كلفتها المباشرة، عبر توسيع ساحات الاشتباك المحتملة، سواء من خلال لبنان لمنع اطلاق الصواريخ، او عبر ترتيبات في العراق قد تدخل على خط الرد الايراني ضد القوات الاميركية والاسرائيلية.
هذا التشابك، وفق الكاتب، يجعل من الصعب عزل اي دولة في المنطقة عن تداعيات الحرب، مهما حاولت النأي بنفسها.
الاردن بين الجبهات والنار
ويخلص الكاتب الى ان الاردن، الواقع جغرافيا بين العراق وايران من جهة، واسرائيل من جهة اخرى، سيكون ضمن دائرة التاثير السياسي والعسكري والاقتصادي لاي حرب كبرى، سواء بشكل مباشر او غير مباشر.
ويحذر ابو طير من الاستهانة بقدرات ايران او المبالغة بها، مؤكدا ان الواقع وحده سيكشف اي الروايتين اقرب للصواب، في توقيت اقليمي بالغ الحساسية.
لا للذعر نعم للجاهزية
ويشدد الكاتب على ان الهدف من هذا الطرح ليس اثارة الذعر او الاستثمار بالخوف، بل الدعوة الى واقعية سياسية وشفافية رسمية، في ظل سيل الاخبار الصحيحة والمضللة التي تتدفق يوميا دون رد او توضيح.
ويختم ابو طير بالقول ان الدولة ستعرف قبل الناس مسار الاحداث، ولن تفاجأ بما قد يحدث، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الجاهزية لمخاطبة المواطنين بلغة واضحة تجمع بين الطمأنة والاجراءات العملية، لان الحرب المحتملة قد تكون مختلفة عن كل ما سبق، وقد تمس ادق تفاصيل الحياة اليومية في بلد محاط بجبهات نار من كل الجهات.
"حرب شاملة"
قال مسؤول ايراني رفيع المستوى الجمعة ان طهران ستتعامل مع اي هجوم يستهدفها على انه حرب شاملة، وذلك بالتزامن مع تقارير عن وصول حاملة طائرات اميركية الى منطقة الشرق الاوسط خلال الايام المقبلة.
واضاف المسؤول الذي فضل عدم الكشف عن هويته ان الحشد العسكري الجاري يبعث على القلق، معربا عن امله في الا يكون هدفه المواجهة المباشرة، مؤكدا في الوقت ذاته ان الجيش الايراني في حالة جاهزية كاملة للتعامل مع اسوا السيناريوهات، وان البلاد تعيش حالة تأهب قصوى.
وتابع ان ايران سترد بقوة على اي هجوم سواء كان محدودا او واسعا، مشددا على ان اي تصعيد سيقابل برد قاس وبما يتناسب مع حجمه.
اصبع طهران على الزناد
وفي السياق ذاته، حذر قائد الحرس الثوري الايراني واشنطن من ان طهران تضع اصبعها على الزناد، في وقت قال فيه الرئيس الاميركي دونالد ترامب ان ايران لا تزال مهتمة باجراء محادثات مع الولايات المتحدة.
وكان ترامب قد ابقى خيار التحرك العسكري ضد ايران مفتوحا، عقب دعم واشنطن ومشاركتها في الحرب التي شنتها اسرائيل لمدة اثني عشر يوما في حزيران الماضي، بهدف معلن هو اضعاف البرنامجين النووي والصاروخي الايرانيين.
واعلن الرئيس الاميركي الخميس ان اسطولا عسكريا ضخما يتجه نحو منطقة الخليج، محذرا من ان بلاده تراقب ايران عن كثب، قبل ان يعود ويشير الى تفضيله عدم الانزلاق الى مواجهة عسكرية اذا امكن ذلك.
وفي المقابل، شهدت ايران احتجاجات واسعة استمرت اسبوعين منذ اواخر كانون الاول، قبل ان تتراجع حدتها في ظل حملة امنية واسعة، رافقها حجب كبير للانترنت، وسط تقارير حقوقية تحدثت عن سقوط الاف القتلى.
وبينما اعلنت السلطات الايرانية عن مقتل 3117 شخصا خلال الاحتجاجات وفق حصيلة رسمية، تؤكد منظمات حقوقية ان العدد الحقيقي للضحايا اكبر بكثير، وقد يتجاوز عشرين الف قتيل، في ظل صعوبة التحقق بسبب قطع خدمات الاتصال.
وقال الرئيس الايراني مسعود بزشكيان ان الاحتجاج حق طبيعي للمواطنين، لكنه شدد على ضرورة التمييز بين المتظاهرين السلميين ومن وصفهم بالمتورطين في اعمال عنف، متهما الولايات المتحدة واسرائيل بالوقوف خلف ما جرى.
وتشير تقارير حقوقية مستقلة الى اعتقال اكثر من 26 الف شخص، مع استمرار حملات التوقيف في عدد من المحافظات الايرانية، في ظل تصاعد التوتر السياسي والعسكري في المنطقة.
