حذر المدير العام السابق للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي الدكتور محمد صالح الطراونة من تحديات مالية واكتوارية متزايدة تواجه نظام الضمان الاجتماعي في الاردن، مؤكدا ان استمرار الاوضاع الحالية دون اجراء اصلاحات حقيقية قد ينعكس على ديمومة الصندوق في المستقبل، ويضع المؤسسة امام ضغوط متزايدة خلال السنوات القادمة.
وجاءت تصريحات الطراونة خلال ندوة نظمتها الجمعية الاردنية للعلوم والثقافة بعنوان "تعديلات قانون الضمان الاجتماعي واثارها على مستقبل الصندوق"، حيث تناول خلالها واقع المؤسسة والتحديات التي تواجهها، اضافة الى تقييمه للتعديلات التي اجراها القانون خلال السنوات الماضية.
تحديات مالية واكتوارية تهدد استدامة الضمان
اكد الطراونة ان الضمان الاجتماعي يعد من اكثر المؤسسات ارتباطا بحياة الاردنيين، مشيرا الى انه لا تكاد توجد اسرة اردنية الا وفيها متقاعد او مشترك في الضمان، الامر الذي يجعل مستقبل المؤسسة قضية وطنية تمس مختلف فئات المجتمع.
اقرأ أيضا :
وبين ان جميع انظمة الضمان الاجتماعي حول العالم تواجه تحديات تتعلق بالديمومة المالية والاكتوارية، خاصة مع التغيرات الديمغرافية التي تشهدها مختلف الدول، موضحا ان ارتفاع متوسط العمر المتوقع وتراجع معدلات الخصوبة يعدان من ابرز الاسباب التي تزيد الضغوط على صناديق التقاعد.
وقال ان معدل الخصوبة في الاردن تراجع بشكل كبير خلال العقود الماضية، بعد ان كان يقارب 9.5 افراد للاسرة قبل نحو خمسين عاما، ليصل حاليا الى ما بين 2.5 و3 افراد، مع توقعات بانخفاضه الى نحو فردين فقط للاسرة بحلول عام 2050.
واوضح ان انخفاض معدل الخصوبة الى ما بين 2 و2.1 يعد مؤشرا مقلقا، ليس فقط بالنسبة لانظمة الضمان الاجتماعي، بل ايضا بالنسبة للنمو الاقتصادي، نظرا لتراجع اعداد الداخلين مستقبلا الى سوق العمل مقارنة باعداد المتقاعدين.
واشار الطراونة الى ان نظام الضمان الاجتماعي يعاني حاليا من اختلال اكتواري، موضحا ان الاشتراكات التي يتم تحصيلها من المؤمن عليهم لم تعد تكفي لتغطية الالتزامات التقاعدية وفق معادلة احتساب الرواتب الحالية، الامر الذي ادى الى وجود فجوة متزايدة بين الايرادات والنفقات.
واضاف ان التامين الاساسي، الذي يشمل الشيخوخة والعجز والوفاة، والممول من خلال اشتراكات تبلغ نسبتها 17.5 بالمئة من الرواتب والاجور، لم يعد قادرا على تغطية فاتورة الرواتب التقاعدية كما كان في السابق، لافتا الى ان هذا الخلل لم يكن واضحا خلال السنوات الماضية بسبب محدودية اعداد المتقاعدين مقارنة بعدد المشتركين الفاعلين.
وكشف ان نتائج الدراسة الاكتوارية الاخيرة تشير الى ان الاشتراكات المحصلة اعتبارا من عام 2030 لن تكون كافية لتغطية الرواتب التقاعدية، وهو ما سيدفع المؤسسة الى الاعتماد بشكل تدريجي على عوائد صندوق الاستثمار لتغطية الفرق.
واضاف ان الدراسة تشير كذلك الى انه بحلول عام 2038 لن تصبح عوائد الاستثمار مع الاشتراكات كافية لتغطية الالتزامات التقاعدية، ما يعني اللجوء الى بيع موجودات صندوق الاستثمار لتوفير السيولة اللازمة لصرف الرواتب.
وحذر من ان استمرار هذا المسار حتى عام 2050 قد يؤدي الى نفاد موجودات صندوق الاستثمار بالكامل، بحيث لن يبقى سوى الاشتراكات الجارية، والتي توقع ان تغطي ما بين 25 و30 بالمئة فقط من اجمالي فاتورة الرواتب التقاعدية.
انتقادات للتعديلات القانونية وادارة ملف الضمان
وانتقد الطراونة تعامل الحكومات المتعاقبة مع ملف الضمان الاجتماعي، معتبرا انها تجنبت اجراء اصلاحات جوهرية على القانون بسبب الكلفة السياسية التي قد تترتب عليها، رغم الحاجة الملحة لمعالجة الاختلالات المالية والاكتوارية منذ وقت مبكر.
واكد ان معالجة التحديات في مراحلها الاولى تكون اقل كلفة واكثر سهولة، بينما يؤدي تاخير اتخاذ القرارات الى تعقيد المشكلة وزيادة صعوبة الحلول مستقبلا.
كما اعتبر ان هناك هيمنة شبه كاملة على المؤسسة، مشيرا الى ان الحكومات تتعامل مع اموال الضمان باعتبارها اموالا عامة، بينما هي في الحقيقة اموال خاصة تعود ملكيتها للمشتركين والمتقاعدين.
ووجه الطراونة انتقادات حادة للتعديلات الاخيرة التي ادخلت على قانون الضمان الاجتماعي، واصفا اياها بانها سيئة جدا، وقال انها لم تستفد من الدراسات والخبرات المتراكمة داخل المؤسسة، الامر الذي انعكس على طبيعة التعديلات التي تم اقرارها.
كما نقل رواية قال انها تعود لوزير العمل في حينه، مفادها انه اعد مشروع القانون المعدل بصورة منفردة، معتبرا انه قادر على تمرير اي تعديلات عبر مجلس النواب، وهو ما اعتبره الطراونة مؤشرا على غياب العمل المؤسسي في اعداد التشريعات.
واتهم الطراونة الدراسة الاكتوارية العاشرة بانها تعرضت لما وصفه بالتلاعب والتجميل، معتبرا ان حكومة الدكتور عمر الرزاز لم تكن ترغب في فتح ملف تعديل قانون الضمان الاجتماعي خلال تلك المرحلة، وهو ما اثر، بحسب وجهة نظره، على واقع المؤسسة ومسار الاصلاح.
واختتم حديثه بالتاكيد على ان تغليب بعض المسؤولين للاعتبارات السياسية او الشخصية على حساب المصلحة العامة يمثل تحديا حقيقيا في ادارة الملفات الوطنية، مشيرا الى ان عددا من المسؤولين يركزون على الحفاظ على مواقعهم اكثر من التركيز على ايجاد حلول استراتيجية للقضايا التي تمس مستقبل المواطنين والاقتصاد الوطني.
