كثيرا ما يراودنا شعور بالحنين الى ايام مضت وكأنها كانت اكثر سعادة واستقرارا مما نعيشه اليوم. هذه الظاهرة النفسية ليست وليدة الصدفة بل هي جزء اصيل من طريقة عمل الدماغ البشري في معالجة الذكريات. واضاف علماء النفس ان هذه الرغبة في العودة الى ما يسمى الزمن الجميل ترافق البشر منذ العصور القديمة. وبينت الدراسات ان البشر يميلون دائما الى الاعتقاد بان العالم كان افضل في سنوات شبابهم مقارنة بالحاضر. واكد الخبراء ان هذا الشعور يعود الى ميل العقل البشري لتجميل الماضي وتجاهل سلبياته.
الدماغ لا يتذكر الماضي كما كان
واوضح الباحثون ان ظاهرة الاسترجاع الوردي تجعل الانسان يسترجع احداث الماضي بصورة اكثر ايجابية مما كانت عليه في الحقيقة. وكشفت الابحاث ان الدماغ لا يحفظ الذكريات كشريط فيديو دقيق بل يعيد بناءها في كل مرة. واضافت الدراسات اننا نميل اثناء عملية الاسترجاع الى الاحتفاظ باللحظات السعيدة وطمس التفاصيل المؤلمة. بينما تبدو مشكلات الحاضر اكثر ثقلا لاننا نعيش تفاصيلها المزعجة يوميا بشكل مستمر ومباشر.
لماذا ننسى السلبيات؟
وبينت جامعة كارنيغي ميلون ان المشكلة تكمن في طريقة عمل ذاكرتنا التي تختار افضل النماذج وتعممها على مرحلة كاملة. واكد المختصون ان الذاكرة تعمل مثل مكتبة تحتفظ بافضل الاعمال فقط من الماضي. واضافوا ان المقارنة تصبح غير عادلة لاننا نقارن ذكرياتنا المنتقاة بعناية مع واقع الحاضر بكل ما يحمله من تحديات. واظهرت التجارب ان هذا الانحياز المعرفي يدفعنا للاعتقاد بان الماضي كان مثاليا.
الحنين يزداد وقت الازمات
واكدت الدراسات ان الحنين الى الماضي يشتد ويصبح اكثر وضوحا خلال فترات عدم الاستقرار والقلق العام. واضاف الباحثون ان الازمات العالمية تدفع الناس للجوء الى الموسيقى القديمة والمسلسلات الكلاسيكية كالية جماعية للتكيف النفسي. وبين العلماء ان الدماغ يبحث في اوقات الخوف عن ذكريات تمنحه شعورا بالامان والاستقرار. واوضحوا ان هذا السلوك يساعد الفرد على مواجهة الضغوط الحالية من خلال استحضار صور ذهنية مريحة وايجابية.
الحنين ليس سيئا دائما
وذكرت الجمعية الامريكية لعلم النفس ان الحنين شعور طبيعي يربط الانسان بماضيه العاطفي ولا يعد اضطرابا نفسيا. واضافت الابحاث ان استحضار الذكريات الايجابية يعزز الشعور بالانتماء ويقلل من حدة الوحدة. وبين الخبراء ان هناك فرقا كبيرا بين الحنين الشخصي وبين الانحدارية التي ترى ان المجتمع يتجه نحو الاسوأ. واكدوا ان الحنين الايجابي يساعدنا على التكيف مع المستقبل بينما التشاؤم المستمر يعيق الابتكار.
لماذا يستخدم السياسيون الماضي؟
واضاف الخبراء ان الخطاب السياسي غالبا ما يستغل الحنين لتعزيز الهوية المشتركة عبر استحضار ايام خيالية. واوضحوا ان اقناع الناس بان الحل يكمن في العودة الى الماضي يغفل مشكلات ذلك الزمن الحقيقية. وبينوا ان هذه الاستراتيجية تعتمد على عاطفة الجماهير لتمرير افكار معينة. واكدوا ان القادة يستخدمون صورة الماضي المشرق كاداة لجذب المؤيدين الذين يشعرون بالضياع في ظل تعقيدات العالم الحديث والمستقبل غير الواضح.