تتجدد في كل عام رحلة الايمان التي يخوضها حجاج فلسطين من الداخل المحتل عبر الاراضي الاردنية نحو الديار المقدسة، حيث تتحول هذه الرحلة من مجرد اجراء تنظيمي لاداء المناسك الى ملحمة انسانية ووطنية تعكس عمق الروابط الوجدانية بين الشعوب العربية. وتتجاوز قوافل الحجاج في عبورها الحدود، لترسم مشهدا يمتزج فيه الشوق الى مكة بملامح الانتماء والاحتضان الاردني الذي يستقبلهم كأهل يعودون الى ديارهم بعد طول غياب.
واظهرت المشاهد الميدانية انطلاق عشرات الحافلات التي تحمل حجاج الداخل وسط اجواء مفعمة بالدعوات، حيث تحولت المدن الاردنية الى محطات عبور روحية كبرى توفر الدفء والامان لكل حاج. وتكشف المتابعات ان هذه الرحلات تجري وفق تنسيق دقيق يهدف الى تذليل كافة العقبات امام الحجاج لضمان وصولهم الى المملكة العربية السعودية في ظروف ميسرة ومريحة.
وبين وزير الاوقاف والشؤون والمقدسات الاسلامية محمد الخلايلة، ان المملكة تستقبل سنويا نحو اربعة الاف وخمسمائة حاج من فلسطينيي الداخل، مشيرا الى ان الوزارة تضع كامل امكاناتها لخدمة ضيوف الرحمن. واوضح ان الحاج من عرب الداخل يحظى بمعاملة الحاج الاردني نفسها في كافة الجوانب، سواء في النقل او الاقامة او الخدمات الطبية والارشادية، مما يعزز من سلاسة الرحلة وتجربتها الايمانية.
تاريخ من التسهيلات والترتيبات
واكد وزير الاوقاف ان العمل استكمل مبكرا لتجهيز الفنادق والمساكن المخصصة للبعثات، مبينا ان الاردن يلتزم تاريخيا بمساندة الشعب الفلسطيني في هذا الملف الحيوي. واضاف ان هذه الترتيبات تعود في جذورها الى عام ثمانية وسبعين، حين تم الاتفاق على منح الحجاج جوازات سفر اردنية مؤقتة، وهي خطوة سياسية وانسانية تهدف لحماية حقهم في الوصول الى الاماكن المقدسة.
واشار الخلايلة الى ان الوزارة تواصل تقديم خدماتها التسهيلية ليس فقط في موسم الحج، بل تمتد لتشمل رحلات العمرة على مدار العام باشراف مباشر من الجهات المختصة. واوضح ان الاردن يعتبر خدمة حجاج الداخل واجبا لا يمكن التخلي عنه، مؤكدا استمرار التنسيق مع كافة الجهات المعنية لضمان استدامة هذه الرحلات وتذليل اي صعوبات قد تواجه الحجاج.
وكشف رئيس لجنة حج مسلمي الداخل زياد شربجي، ان الاجراءات المتبعة منذ انطلاق الحجاج من الاراضي الفلسطينية مروراً بالاردن اتسمت بالتنظيم العالي. واضاف ان لجان التنسيق تعمل على مدار الساعة في مكة والمدينة المنورة لترتيب احتياجات الحجاج، مؤكدا ان التعاون مع وزارة الاوقاف الاردنية ساهم في خلق بيئة مريحة للحجاج بعيدا عن اي معيقات.
مشاهد التكافل في المحطات الاردنية
واكد محافظ معان خالد الحجاج، ان المحافظة سخّرت كافة طاقاتها لاستقبال قوافل الحجاج في الواحة، معتبرا ان ذلك يجسد عمق العلاقة الاخوية بين ابناء الشعب الواحد. واضاف ان الاهالي يتسابقون سنويا لتقديم واجب الضيافة من طعام وشراب وقهوة عربية، في مبادرة تعكس اصالة الكرم الاردني الذي يرى في خدمة الحاج شرفا ومسؤولية.
واوضح رئيس بعثة حجاج الداخل عبد الرازق ابو راس، ان الرحلة تسير بسلاسة لافتة بفضل التسهيلات التي تقدمها الاجهزة الامنية والجهات الرسمية على امتداد الطريق. واضاف ان الحجاج عبروا عن ارتياحهم الكبير للاجواء التي تسبق وصولهم للمشاعر المقدسة، مثمنا في الوقت ذاته الدور الكبير للمملكة العربية السعودية في توفير كافة الظروف الملائمة لضيوف الرحمن.
واكد ابو راس ان الحدود السياسية تبدو اقل حضورا امام وحدة المشهد الانساني، حيث تختلط لهجات الفلسطينيين والاردنيين في رحاب التلبية. واضاف ان هذه الرحلة تظل الاختبار الاكبر للصبر والايمان، لكنها تظل ممكنة بفضل الحاضنة العربية التي تصر على فتح ابوابها امام الحجاج مهما تعقدت الظروف الجغرافية او السياسية.
