لا تزال مرارة النكبة الفلسطينية تخيم على وجدان اللاجئين في لبنان، حيث تختلط ذكريات التهجير القسري بواقع القصف الراهن الذي يطال مخيماتهم. ويستحضر الفلسطينيون في مخيم عين الحلوة تفاصيل تلك الرحلة المؤلمة التي بدأت منذ عقود، وكأنها حدثت بالأمس القريب، في ظل تصاعد الغارات الاسرائيلية التي باتت تهدد أمنهم واستقرارهم الهش.
واكد كبار السن أنهم يورثون أبناءهم وأحفادهم حكايات القرى والبلدات الأصلية، متمسكين بمفاتيح المنازل التي حملوها كرموز مقدسة للعودة. وبينت زكية حسنين، وهي شاهدة على تلك الحقبة، أن عائلتها خرجت من حيفا تحت وطأة الوعود بالعودة القريبة، لكن ذلك الغياب المؤقت تحول إلى حياة كاملة من اللجوء والمنافي.
واضافت زكية بأسى أن فقدان الأهل في رحلة التهجير ترك جرحا غائرا في ذاكرتها، مشددة على أن الأجيال الجديدة ترفض التنازل عن حق العودة مهما بلغت التحديات أو طال الزمن في مخيمات الشتات.
شهادات حية على قسوة التهجير
وروت بهية صالح، التي تجاوزت تسعة عقود من عمرها، تفاصيل مسار نزوحها القاسي من بلدة سبلان، حيث تنقلت بين عدة مناطق في لبنان وسط ظروف أمنية بالغة التعقيد. واوضحت أن تلك الليالي التي قضتها في الهروب عبر الطرق الوعرة ما زالت حاضرة في ذهنها، واصفة سنوات التهجير الأولى بأنها كانت فترة كابوسية تركت أثرا لا يمحى في ذاكرتها الفردية.
وبينت الاحصائيات أن نحو 489 ألف لاجئ فلسطيني يعيشون في لبنان، يتوزع جزء كبير منهم داخل مخيمات مكتظة تعاني من أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة. واشارت البيانات إلى أن مخيم عين الحلوة وحده يضم عشرات الآلاف، مما يجعله شاهدا حيا على استمرار معاناة اللجوء وتفاقم الأوضاع الانسانية.
واوضحت التقارير أن مصطلح النكبة يمثل الذاكرة الجمعية لتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من ديارهم عام 1948، وهو التاريخ الذي يحييه الفلسطينيون سنويا لتجديد عهدهم بالبقاء والتمسك بحقهم التاريخي في العودة إلى مدنهم وقراهم الأصلية.
نكبة متصلة وواقع مؤلم
وكشفت التطورات الميدانية أن ذكرى النكبة تأتي هذا العام في ظل استمرار حرب الابادة في قطاع غزة، والتي خلفت دمارا واسعا وضحايا بالآلاف. واظهرت المعطيات الرسمية ارتفاع حصيلة الشهداء والجرحى نتيجة العدوان الاسرائيلي المتواصل، مما يفاقم من مشاعر الحزن والغضب لدى اللاجئين في كافة أماكن تواجدهم.
وشددت المصادر على أن الاحتلال يواصل اعتداءاته في الضفة الغربية والقدس المحتلة، عبر سياسات الهدم والتهجير والتوسع الاستيطاني. واكدت أن هذه الممارسات تعزز من قناعة الفلسطينيين بأن النكبة ليست مجرد حدث تاريخي، بل واقع مستمر يتطلب الصمود والتمسك بالهوية الوطنية.
واختتم اللاجئون تأكيدهم بأنهم رغم مرور العقود الطويلة، لا يزالون يرفضون أي بديل عن أرضهم، معتبرين أن ذاكرة اللجوء هي جزء لا يتجزأ من هويتهم الجماعية التي ستنتقل من جيل إلى جيل حتى تحقيق العودة المنشودة.
