تتجلى مأساة النزوح في قطاع غزة كصورة حية تعيد إلى الأذهان فصول النكبة الفلسطينية التي انطلقت عام 1948، حيث تعيش عائلات فلسطينية ظروفا قاسية داخل خيام مهترئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة. وتقف أم علي السباعي كنموذج لآلاف الأمهات اللواتي فقدن أزواجهن وبيوتهن، محاولة حماية أطفالها وسط واقع يفتقر للأمان والحد الأدنى من الغذاء والماء. وتكشف المعاناة اليومية في مراكز الإيواء عن فجوة كبيرة بين الاحتياجات الإنسانية والواقع الميداني الذي يزداد تعقيدا مع استمرار العمليات العسكرية.
تكرار مأساة التهجير في غزة
واضافت السباعي في حديثها عن حياتها اليومية أنها تقضي ساعات طويلة من أجل الحصول على غالون ماء أو وجبة طعام بسيطة، بينما يضطر أطفالها للعمل في ظروف صعبة لتوفير احتياجاتهم الأساسية. وبينت أن الخوف من انعدام الخدمات الأساسية والبعد عن المرافق الصحية يضاعف من آلامها الجسدية والنفسية، مما يجعل من البقاء على قيد الحياة تحديا يوميا لا يتوقف. وأظهرت المشاهد الحالية أن الفلسطينيين لا يستذكرون النكبة كحدث تاريخي فقط، بل يواجهونها كواقع معاش يتكرر في كل زاوية من زوايا القطاع.
الانهيار الصحي والبيئي يفتك بالنازحين
واكد محمد حسان، وهو نازح تنقل سبع مرات بين مناطق القطاع، أن ما يحدث اليوم يفوق في قسوته قصص الأجداد، حيث دمرت آلة الحرب أحياء كاملة ومحت معالم الحياة المدنية من الوجود. وشدد على أن الخيام التي تأوي النازحين تحولت إلى بيئة خصبة لانتشار الأمراض الجلدية والأوبئة نتيجة تدمير شبكات الصرف الصحي وتراكم النفايات. واوضح الأطباء أن انتشار القوارض والحشرات في ظل انعدام الرعاية الطبية ينذر بكارثة صحية كبرى تهدد حياة الأطفال وكبار السن في مخيمات النزوح.
رحلة العذاب داخل المستشفيات المدمرة
واشارت سمر الحلبي، التي تعاني من مرض السرطان، إلى أن رحلة العلاج تحولت إلى كابوس حقيقي في ظل نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية والعمليات الجراحية التي تتم في ظروف غير آمنة. وكشفت التقارير الطبية عن خروج عشرات المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، مما جعل الحصول على رعاية طبية متخصصة أمرا شبه مستحيل للمرضى والجرحى. وبينت الأرقام الرسمية أن آلاف المرضى يواجهون مصيرا مجهولا بسبب تعطل أجهزة الفحص المبكر ونقص الوقود اللازم لتشغيل المرافق الحيوية.
مستقبل الأطفال تحت الخيام
واكدت المعلمة حنين أبو هربيد أن إصرار الأطفال على التعلم رغم فقدان ذويهم وتدمير مدارسهم يمثل وجها من وجوه الصمود الفلسطيني الأسطوري. واضافت أن المدارس البديلة المقامة داخل الخيام تكتظ بالطلاب رغم ضيق المساحة، مما يعكس الرغبة في التمسك بالحياة والحق في التعليم رغم كل الظروف القاسية. واختتمت بأن النكبة التي بدأت منذ عقود لا تزال مستمرة في أشكالها وأدواتها، لكن الإرادة الفلسطينية تظل حاضرة في مواجهة محاولات الاقتلاع والنسيان.
