تشهد العلاقات الجزائرية الفرنسية تحولا لافتا في مسارها السياسي والدبلوماسي عقب الزيارة الرسمية التي أجرتها وزيرة القوات المسلحة الفرنسية إلى العاصمة الجزائرية. وجاءت هذه الخطوة لترسم ملامح مرحلة جديدة تتسم بالرغبة المشتركة في تجاوز الخلافات العالقة واستئناف الحوار المباشر. وتأتي هذه التطورات في وقت يحمل فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تطلعات لطي صفحة التوتر وبناء جسور من الاحترام المتبادل مع نظيره الجزائري عبد المجيد تبون.
واعلنت الوزيرة الفرنسية عقب مباحثاتها رفيعة المستوى عن موافقة جزائرية رسمية على إعادة تفعيل اللجنة المشتركة للمؤرخين المكلفة بملف الذاكرة. وبينت ان هذا القرار يمثل خطوة أساسية لإنهاء حالة الجمود التي سادت هذا الملف الحساس خلال الفترة الماضية. واكدت ان بلادها تسعى بجدية لجعل الأشهر المقبلة مرحلة مثمرة في مسار التعاون الثنائي القائم على الندية والهدوء.
واوضحت الوزيرة ان الزيارة شملت نقاشات معمقة حول قضايا التعاون القضائي والأمني وملف الهجرة. واضافت ان السلطات الجزائرية تولي أهمية بالغة لملف تسليم الملاحقين قضائيا في قضايا فساد ومس بالوحدة الوطنية. وشددت على وجود إرادة حقيقية لدى باريس للاستجابة لهذه المطالب في إطار تعزيز الثقة بين البلدين.
انفراجة دبلوماسية وآفاق للتعاون
وكشفت الوزيرة عن تأثرها البالغ خلال مشاركتها في مراسم إحياء ذكرى مجازر الثامن من مايو في مدينة سطيف. ووصفت الاستقبال الذي حظيت به بالدافئ والمعبر عن عمق الذاكرة الشعبية الجزائرية. واشارت الى ان هذه اللفتة تعكس رغبة الطرفين في التعامل مع التاريخ بمسؤولية واحترام متبادل.
واضافت ان المحادثات تطرقت أيضا إلى التحديات الإقليمية والدولية الراهنة لا سيما في منطقة الساحل والشرق الأوسط وأزمة الطاقة العالمية. واكدت ان الحاجة إلى تنسيق مستمر أصبحت ضرورة ملحة في ظل حالة عدم الاستقرار التي يشهدها العالم. وبينت ان التعاون الأمني والدفاعي كان حاضرا بقوة في اللقاءات التي جمعتها مع كبار المسؤولين العسكريين الجزائريين.
وتابعت ان ملف الهجرة يشهد هو الآخر ديناميكية جديدة بعد استئناف التنسيق الذي بدأ بزيارة وزير الداخلية الفرنسي للجزائر سابقا. واوضحت ان الرؤية الفرنسية تسعى لتكثيف الجهود في مكافحة تهريب المخدرات والتعاون القضائي. وشددت على ان العمل المشترك سيستمر وفق أجندة محددة لضمان تحقيق نتائج ملموسة في المستقبل القريب.
نحو شراكة استراتيجية شاملة
واكد مراقبون ان عودة السفير الفرنسي لممارسة مهامه بالجزائر تعكس نهاية مرحلة الفراغ الدبلوماسي. واضافوا ان تصريحات الوزيرة الفرنسية وضعت حجر الأساس لخارطة طريق واضحة تتجاوز حقبة التوترات السابقة. وبينوا ان هناك توجها نحو بناء علاقة متوازنة تحمي مصالح الطرفين وتفتح آفاقا جديدة للاستثمار.
واوضحت مصادر مطلعة ان الملف الأمني يحتل صدارة الاهتمامات المشتركة لمواجهة التهديدات الإرهابية العابرة للحدود. واضافت ان الطرفين يدركان أن سياسة التوتر لم تعد مجدية في ظل الأخطار المحدقة بالمنطقة. واكدت ان التنسيق الاستخباراتي الميداني في منطقة الساحل يمثل أولوية قصوى لضمان الأمن الإقليمي.
وتابعت ان الجانبين ناقشا رؤية اقتصادية براغماتية تتجاوز الدعم التقليدي للشركات إلى تعزيز التبادل التجاري العادل. واوضحت ان الجزائر تسعى لإعادة النظر في اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي لضمان توازن المصالح. واختتمت بأن ملف السيادة والذاكرة يظل المظلة الكبرى التي تحكم مسار تطبيع العلاقات وضمان عدم التدخل في الشؤون الداخلية.
