كشفت التطورات الاخيرة في المنطقة عن ابعاد جديدة للمشروع التوسعي الاسرائيلي الذي يتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية، حيث لم تكن الخرائط التي عرضها رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو مجرد استعراض سياسي، بل مثلت اعلان نوايا مبكر لمخطط شامل يهدف الى اعادة رسم معالم الشرق الاوسط. واكد مصطفى البرغوثي ان هذا التوجه يتقاطع بشكل عضوي مع وثائق الامن القومي الامريكي التي تسعى لتعزيز دور اسرائيل كوكيل امني مهيمن يضمن السيطرة على ممرات الطاقة والملاحة الدولية دون الحاجة لتواجد عسكري امريكي مباشر ومكلف. واظهرت تصريحات مسؤولين امريكيين دعما غير مسبوق لهذه الرؤية التوسعية، واصفين اياها بحق تاريخي، وهو ما اعتبره مراقبون مباركة ضمنية لنسف حل الدولتين وتحويل اسرائيل الى امبراطورية اقليمية تعمل بتفويض كامل.
استراتيجية ازاحة القوى الاقليمية
وبين البرغوثي ان المشروع الصهيوني يعتمد استراتيجية ممنهجة تقوم على اضعاف وازاحة القوى الكبرى التي يمكن ان تشكل منافسا له في المنطقة، حيث بدأت هذه السلسلة بتحطيم العراق واضعاف سوريا، وتتجه الانظار حاليا نحو محاولة تفكيك النفوذ الايراني. واضاف ان المخطط لا يتوقف عند هذا الحد، بل يمتد ليشمل تركيا باعتبارها القوة الاقتصادية والعسكرية الوحيدة المتبقية التي تمتلك القدرة على مواجهة طموحات اسرائيل الكبرى. واشار الى ان اي مسار للتطبيع مع اسرائيل لن يجلب الاستقرار، بل سيتحول الى خنجر يهدد استقلال الدول العربية وسيادتها على المدى البعيد.
تطويق مصر ومشاريع الهيمنة الاقتصادية
واوضح ان اسرائيل تعمل على خنق مصر من خلال استراتيجية متعددة المحاور تهدف الى تجريدها من اوراق قوتها، بدءا من دعم بناء السدود للضغط على الامن المائي المصري، وصولا الى التغلغل في دول القرن الافريقي للسيطرة على مدخل البحر الاحمر. وشدد على ان الضغوط التي تمارس لتهجير سكان غزة نحو سيناء ليست سوى فخ يهدف الى خلق ذريعة لاعادة احتلال المنطقة تحت مسمى الامن. وكشفت التحليلات الاقتصادية ان المشروع يتعدى الجانب العسكري ليشمل انشاء ممر تجاري يربط الهند باوروبا مرورا باسرائيل، بهدف منافسة طريق الحرير الصيني وتحويل اسرائيل الى عقدة مركزية تتحكم في شرايين التجارة العالمية.
الصراع الديموغرافي وعوائق المشروع
واكد البرغوثي ان الاطماع في غزة تتجاوز البعد الامني لتشمل الاستيلاء على حقول الغاز البحرية واحياء مشروع قناة بن غوريون المائية كبديل لقناة السويس، وهو ما يفسر حدة العمليات العسكرية التي تستهدف تفريغ القطاع من سكانه. واوضح ان التحدي الديموغرافي يظل الهاجس الاكبر لاسرائيل في ظل تقارب اعداد الفلسطينيين واليهود على ارض فلسطين التاريخية، مما يدفعها لتبني سياسات التطهير العرقي. واشار في ختام رؤيته الى ان هذا المشروع يواجه عوائق حقيقية تتمثل في صمود الشعب الفلسطيني الاسطوري، وتغير الوعي العالمي الذي بدأ يلفظ السياسات الاسرائيلية ويحولها الى عبء اخلاقي وسياسي على حلفائها الدوليين.
