تغرق العائلات التونسية كل عام في دوامة الحسابات المالية المعقدة مع اقتراب موسم العودة للمدارس، حيث تتجاوز التكاليف مجرد شراء الادوات البسيطة لتتحول الى ميزانية ضخمة تستنزف دخل الاسرة طوال السنة الدراسية بشكل مستمر.
وتكشف خديجة التي تقف امام قائمة طويلة من المستلزمات ان الحسابات لا تنتهي ابدا عند شراء الحقائب والدفاتر، موضحة ان المصاريف تتجدد سنويا وتتضاعف مع الدروس الخصوصية ومتطلبات المناهج الدراسية التي ترهق كاهل اولياء الامور.
واضافت ان كلفة التلميذ الواحد في المدارس العمومية قد تصل الى ارقام قياسية تتراوح بين الفي دينار والفين وخمسمائة دينار سنويا، مؤكدة ان التعليم العمومي اصبح عبئا ماليا ثقيلا بدلا من ان يكون وسيلة ميسرة للجميع.
من اعباء العودة الى فاتورة العام الدراسي الكامل
وبين رئيس المنظمة التونسية لارشاد المستهلك لطفي الرياحي ان كلفة العودة وحدها تتجاوز سبعمائة دينار للمرحلة الابتدائية، مشددا على ان هذه النفقات لا تشمل المصاريف الشهرية المتجددة التي تفرضها الدروس الخصوصية والحاجة المستمرة لتوفير وسائل تعليمية اضافية.
واشار الى ان التلميذ يحتاج غالبا الى دروس في ثلاث مواد على الاقل، موضحا ان تكلفة المادة الواحدة تصل الى مائة دينار شهريا، وهو ما يجعل ميزانية التعليم تتجاوز قدرة الكثير من العائلات ذات الدخل المحدود.
واكد ان الاسر التي لديها اكثر من طالب تعيش حالة من الاستنزاف المالي المستمر، مبينا ان التعليم المجاني تحول الى مفهوم نظري يصطدم بواقع الحاجة الى تمويلات ضخمة لضمان استمرار الابناء في مقاعد الدراسة وتحقيق نتائج جيدة.
التعليم الخاص كخيار اضطراري للهروب من تراجع الجودة
وتشير تجارب اولياء الامور الى ان التوجه نحو التعليم الخاص لم يعد ترفا، بل اصبح خيارا اضطراريا لضمان حد ادنى من الجودة، حيث يضطر البعض لدفع آلاف الدنانير سنويا للحصول على خدمات تعليمية يفتقدها القطاع العمومي.
واضاف حكيم بن صالح ان كلفة تعليم ابنائه الثلاثة في المدارس الخاصة تقترب من عشرة آلاف دينار، موضحا ان هذه المبالغ تشمل رسوم المؤسسة والمستلزمات الاخرى التي تفرضها طبيعة الدراسة الحديثة التي تعتمد على التكنولوجيا والبحوث.
واوضح ان السؤال الجوهري لم يعد عن مجانية الخدمة، بل عن الجدوى من التعليم اذا كان النجاح اصبح مرتبطا بالقدرة المالية للاب، مشددا على ان الفجوة بين الطبقات الاجتماعية تتسع بفعل تفاوت القدرة على الانفاق التعليمي.
دور الدولة في مواجهة تضخم تكاليف الدراسة
وتحاول الحكومة التونسية امتصاص الغضب الاجتماعي عبر حزمة مساعدات مالية، حيث اقرت مؤخرا اعتمادات مالية ضخمة لدعم العائلات محدودة الدخل، مع التركيز على توفير الكتب المدعومة وضمان خدمات النقل المدرسي والاعاشة للطلبة في مختلف المناطق التعليمية.
واكدت السلطات حرصها على تأمين ظروف العودة المدرسية من خلال صيانة المؤسسات التربوية، مبينة ان هذه الاجراءات تهدف الى تخفيف الضغط المالي عن الاسر، رغم الاعتراف بان التحديات الاقتصادية تجعل من توفير مستلزمات التعليم امرا بالغ الصعوبة والتعقيد.
واضافت ان الدولة تعمل على تعزيز الصحة المدرسية وتوفير التجهيزات الضرورية، موضحة ان هذه الجهود تأتي في اطار محاولة الحفاظ على توازن المنظومة التعليمية وتجنيب العائلات التونسية المزيد من الاعباء المالية التي قد تؤدي الى الانقطاع عن الدراسة.
هل اصبحت القدرة المالية معيارا للنجاح الدراسي؟
ويحذر خبراء التربية من ان ربط النجاح بالقدرة على دفع تكاليف الدروس الخصوصية يهدد تكافؤ الفرص، حيث يجد الطلاب من العائلات الفقيرة انفسهم في مواجهة غير متكافئة مع اقرانهم الذين يمتلكون موارد مالية تمكنهم من الوصول الى مصادر تعليمية اضافية.
واضاف رضا الزهروني ان مؤشرات الانقطاع المدرسي ترتبط بشكل وثيق بالفقر، مبينا ان خريطة النتائج الدراسية تعكس الفوارق الطبقية، ومؤكدا ان اصلاح التعليم يبدأ من دعم المدارس العمومية لتستعيد دورها في تقديم تعليم نوعي ومجاني حقيقي للجميع.
وختم بان الحل يتطلب تشجيع الانتاج المحلي للمستلزمات المدرسية لخفض التكاليف بنسبة ثلاثين بالمائة، موضحا ان التعليم يظل الركيزة الاساسية للمجتمع، وان المجانية يجب ان تعني فعليا قدرة كل طفل على التعلم دون ان تكون ميزانية اسرته عائقا امام طموحاته.
