في زمن اصبحت فيه المهن تقاس غالبا بحجم المكاسب والنجاحات المادية، اختار طبيب الاسنان الاردني شهم الحنيطي طريقا مختلفا، عنوانه الانسان قبل المهنة، والاثر قبل الربح.
الحنيطي، وهو طبيب جراحة الفم والاسنان وصاحب مقولة "الابتسامة لطريق بعيد"، لم ينظر الى مهنته باعتبارها مجرد عمل يومي داخل عيادة، بل حمل معها رسالة انسانية سعى من خلالها الى الوصول للمرضى الذين تعجز ظروفهم المادية او الجغرافية عن الوصول الى الخدمات الطبية.
ويقول الحنيطي ان فكرة مشروعه بدات من قناعة تجمع بين العلم والايمان، حيث كان يدخر مبلغا ماليا لافتتاح مشروعه الخاص، لكنه شعر ان اقرب مشروع يمكن ان يقدمه هو توظيف علمه في تخفيف معاناة الناس ومساعدتهم على تجاوز الامهم.
ومن هنا ولدت فكرة العيادة المتنقلة، التي تهدف الى الوصول للمناطق النائية والاقل حظا في مختلف المحافظات، وتقديم الرعاية والعلاج للاشخاص الذين لا يستطيعون مراجعة الاطباء او الوصول الى المراكز الصحية بسبب ظروفهم المعيشية.
موقف غير مسار الفكرة ورسخ معنى المهنة
ويروي الحنيطي واحدة من اكثر القصص تاثيرا في رحلته الانسانية، حين التقى براعي اغنام خلال احدى جولاته الميدانية، وكان يحمل معه قطعة بسكويت فعرضها عليه.
ويقول ان الرجل نظر الى البسكويت للحظات قبل ان يجيبه بعبارة لن ينساها ابدا: "والله ما بقدر اوكلها، ما عندي سنان، والالم ما بفارقني".
ذلك الموقف ترك اثرا عميقا في نفسه، فبادر الى علاجه وتقديم الرعاية اللازمة له. وفي اليوم التالي شاهده مبتسما بعد ان تخلص من الوجع الذي رافقه لفترة طويلة، وكان يدعو له من قلبه بكل امتنان.
ويؤكد الحنيطي ان تلك اللحظة جعلته يدرك ان رسالته اكبر بكثير من مجرد علاج للاسنان، وان الطبيب الحقيقي لا يقاس فقط بمهارته العلمية، بل بقدرته على تخفيف معاناة الناس وترك اثر طيب في حياتهم.
ورغم التحديات الكبيرة التي تواجه مشروع العيادة المتنقلة، من نقل المعدات الثقيلة وقطع مسافات طويلة والسير في طرق وعرة وتحمل تكاليف تشغيل مرتفعة، الا ان الحنيطي يرى ان كل ابتسامة تعود الى وجه مريض بعد معاناة، وكل دعوة صادقة تخرج من قلب شخص تم تخفيف المه عنه، تجعل كل التعب يهون.
ويختتم رسالته بالتشديد على ان الناس قد تنسى اسم الطبيب مع مرور الوقت، لكنها لا تنسى ابدا اليد التي ساعدتها وخففت عنها الوجع، مؤكدا ان الاثر الانساني يبقى اعظم نجاح يمكن ان يحققه صاحب العلم، وان الرحمة تظل اجمل ما يميز الانسان قبل الطبيب.

