مع اقتراب نهاية عقد ايجار شقتها في شبرا الخيمة، تعيش سارة احمد، الثلاثينية، حالة من القلق والترقب، فهي تستعد للانتقال الى مسكن جديد، لكنها تجهل تماما اين سيكون هذا المسكن وكيف ستتمكن من تحمل التكاليف المتزايدة، وتبدي تخوفها من ان يكون الوضع اسوأ مما هو عليه الان، نظرا للارتفاعات الكبيرة التي تشهدها اسعار الايجارات.
وتدفع سارة وزوجها، وهما يعيلان طفلة صغيرة، ايجارا لشقة لا تتجاوز مساحتها 90 مترا، يستهلك ربع ميزانية الاسرة تقريبا، وبينما يبلغ الايجار الحالي 2500 جنيه، علمت ان متوسط الايجارات في المناطق المحيطة قد وصل الى 4 الاف جنيه، وسينتهي عقد الايجار الحالي في يوليو المقبل، مما يزيد من الضغوط عليها.
وتشهد مصر منذ سنوات ارتفاعات ملحوظة في اسعار الشقق السكنية بنظام الايجار الجديد، وهو نظام يتيح للمستاجر الحصول على الشقة مقابل عقد يتجدد سنويا او كل عدة سنوات، ويختلف هذا النظام عن نظام الايجارات القديمة، الذي يسكن فيه نحو 1.6 مليون اسرة، حيث تكون العقود غير محددة المدة، وهو الوضع الذي يسعى القانون رقم 164 لسنة 2025 الى انهائه.
تداعيات الحرب السودانية على سوق العقارات المصري
وازدادت حدة ارتفاعات الايجارات في مصر مع توافد اللاجئين، خاصة السودانيين، بعد اندلاع الحرب في السودان في ابريل 2023، واوضح خبراء ان تمركزهم في مناطق معينة ادى الى ارتفاع اسعار الايجارات فيها بشكل ملحوظ، ومن ابرز هذه المناطق منطقة فيصل الشعبية جنوب القاهرة، التي كانت تعد ملاذا لابناء الطبقة الدنيا وشرائح من الطبقة الوسطى.
ولم تقتصر الزيادات على هذه المناطق فقط، بل اصبحت سمة عامة في سوق العقارات، وبين رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في اغسطس 2024 ان هذه الارتفاعات مؤقتة، الا انها استمرت ولم تتراجع، حتى مع رحيل بعض الوافدين، وذلك في ظل معدلات التضخم المرتفعة التي تشهدها البلاد.
وتروي سامية ابراهيم (اسم مستعار) تجربتها مع ارتفاع الايجارات، فهي تسكن مع اسرتها الصغيرة في منطقة فيصل منذ عدة اعوام، وتدفع ايجارا شهريا قدره 5 الاف جنيه، بزيادة سنوية قدرها 500 جنيه، واكدت انه بسبب ارتفاع الاسعار في المنطقة، لن يكفي المبلغ الحالي للحصول على شقة بنفس المستوى.
صرخات المواطنين ومطالبات بالتدخل الحكومي
وتصف سامية وضعها الحالي قائلة: نعيش بصحبة كراتين ورقية نضع فيها اغراضنا عند الانتقال، في حالة من عدم الاستقرار والتأزم المستمر في المصاريف، حتى ان زوجي يعمل في وظيفتين بخلاف عملي انا ايضا، وبينت ان الوضع اصبح لا يطاق.
واطلقت هاجر كامل، وهي سيدة اربعينية، استغاثة للرئيس عبد الفتاح السيسي، في مقطع فيديو انتشر على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بسبب الارتفاعات المبالغ فيها في الايجارات، وطالبت الحكومة بالتدخل لوضع حد لهذه الزيادات.
وتعيش هاجر مع اطفالها الاربعة في شقة سينتهي عقدها في مايو المقبل، وهي مطلقة، وبينت انها توفر احتياجاتهم المعيشية الاساسية بصعوبة بالغة، وان مالك الشقة يرغب في رفع الايجار الى 2500 جنيه، وهو ما لن تستطيع تحمله، واكدت ان هناك الكثيرين ممن يعانون مثلها.
تضخم سوق العقارات وتأثيره على الايجارات
وانتشر مقطع الفيديو وسط تعليقات مستنكرة لارتفاع الايجارات وغلاء المعيشة، وهو ما يزيد من معاناة المواطنين ذوي الدخل المحدود، واظهرت البيانات الرسمية ان معدل التضخم السنوي في مارس الماضي بلغ 15.2 في المائة، بزيادة قدرها 2 في المائة عن شهر فبراير.
واشار الكاتب الاقتصادي محمد مهدي عبد النبي الى ان سوق العقارات في مصر يشهد تضخما ملحوظا، يتغذى على التضخم العام، مما يؤثر بشكل مباشر على ارتفاع الايجارات، ويضع اعباء اضافية على كاهل الاسر، واضاف ان السوق لا يشهد تراجعا في الاسعار، رغم الركود ووفرة المعروض.
واكد عبد النبي انه في ظل ارتفاع سعر صرف الدولار، يعتبر اصحاب العقارات ان العقارات مخزون جيد للقيمة، مما يدفعهم الى رفع الاسعار، لافتا الى ان بعض العقود تتضمن بنودا تربط زيادة القيمة الايجارية بسعر الدولار، وهو ما يزيد من حدة الازمة.
ويعاني فارس قنديل، وهو مصور فوتوغرافي، من ضغوط مستمرة لتوفير ايجار شقته الصغيرة في منطقة السيدة زينب، وبين انه كلما تمكن من دفع الايجار، يشعر بالراحة لساعات قليلة، قبل ان يعود اليه القلق بشأن كيفية تدبير ايجار الشهر المقبل، واوضح ان لديه طفلين وزوجته تعمل موظفة، بينما يعمل هو بنظام القطعة، ويدفع ايجارا قدره 4500 جنيه، بعدما كان 1200 جنيه، ويتخوف من ان تدفعه الزيادات المستمرة الى الانتقال الى منطقة اخرى او مستوى معيشة اقل.
اما دلال انور، الستينية، فقد اصبحت عاجزة عن دفع الايجار الذي ارتفع الى 3500 جنيه بدلا من 1500 في مدينة 6 اكتوبر، وبينت انها تعتمد على المساعدات الخيرية في معيشتها، بعدما اقعدها المرض عن العمل، وانها لا تعلم كيف ستتمكن من تدبير قيمة الايجار.
