كشفت بيانات حكومية يمنية حديثة عن ان ممارسات الحوثيين قد الحقت بالاقتصاد الوطني خسائر فادحة، خاصة مع استمرار منع تصدير النفط الخام وتهديد موانئه وناقلاته، الامر الذي حرم الحكومة من احد اهم مواردها المالية، وادى الى تفاقم العجز المالي وارتفاع مستويات الدين الداخلي، في وقت تحاول فيه السلطات تعزيز مسار التعافي الاقتصادي والانتقال نحو مشاريع تنموية اكثر استدامة.
وبحسب تقرير التطورات النقدية الصادر عن البنك المركزي اليمني، فان التنفيذ الفعلي للموازنة العامة حتى نهاية عام 2025، سجل عجزا نقديا تجاوز 48 في المائة من اجمالي الانفاق العام، وهو مستوى يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المالية العامة في ظل تراجع الايرادات السيادية.
ووفق البيانات، بلغت الايرادات العامة نحو 1435.2 مليار ريال يمني (نحو 870 مليون دولار)، مقابل نفقات وصلت الى 2773.5 مليار ريال (نحو 1.68 مليار دولار)، ما ادى الى تسجيل عجز بقيمة 1338.2 مليار ريال (نحو 811 مليون دولار).
تدهور اقتصادي وتحديات مالية
ويرتبط هذا التدهور بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي كانت تمثل المصدر الرئيسي لتمويل الموازنة، قبل ان تتعرض موانئ التصدير في حضرموت وشبوة لهجمات عطلت عمليات الشحن، واثارت مخاوف الشركات والملاحة البحرية.
وفي موازاة ذلك، اظهرت البيانات ارتفاع الدين العام الداخلي بنسبة 8.8 في المائة، ليصل الى 8596.7 مليار ريال يمني (نحو 5.21 مليار دولار)، مقارنة بـ7901.2 مليار ريال في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته.
ويشير التقرير الى ان الاقتراض المباشر من البنك المركزي شكل المصدر الاساسي لتمويل هذا الدين، بحصة بلغت 90.8 في المائة، وهو ما يعكس اعتماد الحكومة على التمويل النقدي لتغطية فجوة العجز، في ظل محدودية البدائل التمويلية الاخرى.
الدين العام والاحتياطيات النقدية
في المقابل، اسهمت ادوات الدين التقليدية، مثل اذون الخزانة والسندات والصكوك الاسلامية، بنسبة 9.2 في المائة فقط من اجمالي الدين، ما يبرز ضعف سوق الدين المحلية وتحديات تنشيطها في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
على صعيد المؤشرات النقدية، اظهرت بيانات البنك المركزي اليمني ارتفاع الاصول الخارجية الى 1933.3 مليار ريال (نحو 1.17 مليار دولار) بنهاية ديسمبر (كانون الاول)، مقارنة بالشهر السابق، في مؤشر محدود على تحسن الاحتياطيات.
كما ارتفع رصيد العملة المصدرة الى 3641.1 مليار ريال يمني، بزيادة طفيفة، في حين سجلت القاعدة النقدية نموا بنحو 122 مليار ريال لتصل الى 4444.4 مليار ريال، وهو ما يعكس توسعا نقديا قد يفرض ضغوطا تضخمية في حال عدم ضبطه (الدولار الواحد نحو 1600 ريال يمني).
الوضع المصرفي والشراكات الدولية
وبالمثل، ارتفع العرض النقدي الواسع الى 11429.3 مليار ريال يمني، وسط مساع للحفاظ على استقرار السوق النقدية، في بيئة تتسم بتحديات مركبة تشمل تراجع الايرادات، وانقسام المؤسسات المالية، وتقلبات سعر الصرف.
وفي سياق متصل، ارتفعت الميزانية الموحدة للبنوك التجارية والاسلامية الى 12341.8 مليار ريال (نحو 7.48 مليار دولار)، ما يشير الى استمرار نشاط القطاع المصرفي رغم التحديات، وان كان ذلك ضمن بيئة عالية المخاطر.
في موازاة هذه التحديات، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لتعزيز الشراكة مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها البنك الدولي، لدعم مسار التعافي الاقتصادي وتوسيع البرامج التنموية.
جهود حكومية للتعافي الاقتصادي
وخلال لقاء في عدن، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي افراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز اولويات المرحلة المقبلة.
وتناول اللقاء استعراض المشاريع الممولة في مجالات الخدمات الاساسية والبنية التحتية، الى جانب الاصلاحات المؤسسية وبناء القدرات، مع التركيز على تحسين كفاءة التنفيذ وضمان تحقيق اثر مباشر على حياة المواطنين.
واكدت الحكومة اليمنية اهمية توافق برامج البنك الدولي مع اولوياتها الوطنية، لا سيما في قطاعات الصحة والتعليم والمياه، الى جانب دعم خلق فرص العمل وتمكين النساء اقتصاديا.
كما شددت على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الانسانية الطارئة الى مشاريع تنموية مستدامة، مع تعزيز دور المؤسسات الوطنية وتمكينها من ادارة البرامج بكفاءة واستقلالية.
من جانبه، اكد البنك الدولي اهمية تنسيق الجهود بين الحكومة وشركاء التنمية، والعمل على تحسين كفاءة استخدام الموارد، ودعم القطاعات الحيوية، خصوصا الطاقة والبنية التحتية والتعليم، بما يسهم في تحقيق استقرار اقتصادي تدريجي.
وياتى هذا التوجه في ظل ادراك متزايد بان استمرار الاعتماد على المساعدات الطارئة لم يعد كافيا، وان المرحلة تتطلب بناء اسس تنموية قادرة على الصمود، وتوفير فرص اقتصادية مستدامة، رغم التحديات التي تفرضها الاوضاع الامنية والسياسية.
