تشهد المواجهة بين اسرائيل وحزب الله تحولا ملحوظا في الاستراتيجيات القتالية المستخدمة من الطرفين، حيث يبتعدان عن الحرب التقليدية ويتجهان نحو صراع متعدد الابعاد، ويتداخل فيه استخدام التكنولوجيا مع العمل الميداني، وبات واضحا ان تحقيق النصر لا يعتمد على الجبهات التقليدية او الضربة القاضية بل على تحقيق مكاسب متراكمة.
وعشية اختتام الحرب شهرها الاول، لم تتخل اسرائيل عن استخدام الطائرات المسيرة كاداة فاعلة في عمليات الاستطلاع وتنفيذ الاغتيالات التي تستهدف قيادات في حزب الله ومواقع حساسة، واضافت الى ذلك التفوق التكنولوجي والعمل الاستخباراتي، وفي المقابل يطور حزب الله نمط القتال اللامركزي الذي لم يكن معتمدا في الحروب السابقة.
وفي قراءته للمشهد الميداني، يرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد حسن جوني ان كلا من حزب الله واسرائيل قد اجرى تعديلات واضحة على استراتيجيتيهما مقارنة بالحرب السابقة، واستفاد الطرفان من دروس الماضي، واشار في تصريح الى ان الجغرافيا تبقى عاملا حاسما يفرض ثوابته على مسار العمليات العسكرية، مبينا ان منطقة مثل بلدة الخيام الحدودية لا تزال تشكل نقطة اشتباك اساسية بفعل موقعها الجغرافي كما كانت في الحروب السابقة.
تكتيكات قتالية جديدة
ويشرح العميد جوني ان حزب الله انتقل الى نمط قتال اكثر ديناميكية وحركية، متخليا نسبيا عن اسلوب الصمود الثابت الذي كان يكلفه خسائر بشرية مرتفعة، وفي المقابل اعتمد مرونة اكبر في الانتشار وادارة المعركة، لافتا الى ان الجيش الاسرائيلي بات يعتمد اسلوبا يحاول عبره اختبار جاهزية حزب الله الدفاعية من حيث التنسيق والمعنويات والقدرة القتالية.
ولا يختلف تكتيك الجيش الاسرائيلي في حربه الحالية عن الحروب السابقة، وفق رؤية الخبير العسكري والامني العميد سعيد القزح، واكد ان اسرائيل مستمرة في تدمير كل ما يمت الى القوة العسكرية للحزب خارج ارض المعركة، ولا تزال تعتمد على التفوق الاستخباراتي والاهداف النوعية وتكتيك قطع الراس واستهداف الهياكل القيادية والوسائل اللوجيستية.
واوضح القزح ان اسرائيل ماضية في استهداف الهياكل القيادية والوسائل اللوجيستية مثل مخازن الصواريخ الدقيقة ومنصات الاطلاق ومراكز القيادة والسيطرة والمؤسسات الاقتصادية والمالية لحزب الله، مشيرا الى ان ميزة هذه المواجهة من الناحية الاسرائيلية تكمن في اعتماد تكتيك الارض المحروقة في الحافة الامامية، حيث تعتمد على تدمير ممنهج للقرى الحدودية لانشاء منطقة عازلة جغرافيا تهدف الى منع المقاتلين من استخدام التضاريس والمباني للقيام بعمليات تسلل او اطلاق صواريخ مضادة للدروع تهدد ليس فقط القوات المتقدمة بل المستوطنات الشمالية.
استراتيجية الدفاع اللامركزي
ولا يخفي العميد القزح ان حزب الله طور اساليبه لتتلاءم مع التفوق الجوي الاسرائيلي، اذ استغل الفترة التي تلت اتفاق وقف الاعمال العدائية وبدا يعتمد اسلوب الدفاع اللامركزي بدلا من الدفاع عن خطوط ثابتة، كما قام بتنظيم نفسه على اساس المجموعات الصغيرة المستقلة التي تمتلك حرية القرار الميداني باستعمال مبدا حرب العصابات، وبين ان هذا الاسلوب يجعل من الصعب على الطيران الاسرائيلي القضاء على القدرة القتالية بضربة واحدة.
وحتى الان لم تفلح الضربات الاستباقية التي تلجا اليها اسرائيل لتقويض قدرات الحزب قبل البدء بشن هجوم بري واسع، وهو ما يبرر تاخير المعركة الحاسمة التي يتحضر لها الجيش الاسرائيلي، ويشير العميد حسن جوني الذي كان يشغل منصب قائد كلية الاركان في الجيش اللبناني ان الاشتباكات الجارية لا ترقى الى مستوى الحسم، اذ يتجنب الطرفان الانخراط في مواجهة فاصلة لا سيما اسرائيل التي تقود الهجوم، واضاف ان حزب الله يعتمد لا مركزية اكبر في ادارة المعارك، حيث يترك هامش واسع لقادة المجموعات الميدانية لاتخاذ القرار وفق تقديرهم للظروف القتالية.
اما عن القدرات الصاروخية، فيوضح جوني ان الحزب يركز في المرحلة الحالية على الصواريخ القصيرة المدى التي تهدف الى ابقاء الضغط قائما على الجبهة الشمالية لاسرائيل وزعزعة الاستقرار اكثر من تحقيق انجاز عسكري حاسم في العمق، ويرى ان هذه الاستراتيجية تاتي في اطار التكامل مع الضربات الايرانية بما يعزز الضغط على منظومات الدفاع الاسرائيلية ويحدث اثرا نفسيا اضافيا، موضحا ان الحزب يولي اهتماما متزايدا للبعد الامني بهدف الحد من الاختراقات لا سيما في ظل استهداف المقاتلين بواسطة المسيرات، وهو ما انعكس تراجعا نسبيا بخسارة الحزب لمقاتليه في خطوط المواجهة الامامية، وشدد على ان حزب الله يسعى الى فرض حالة اشتباك مستمر مع القوات الاسرائيلية حتى في حال عدم التوغل البري بهدف استنزافها وتعويض محدودية التاثير الصاروخي عبر الضغط الميداني المباشر.
توازن حذر في المواجهة
ولا شك ان الخطة القتالية للجيش الاسرائيلي تقوم على السيطرة بالنار على منطقة جنوب الليطاني عبر القصف الجوي والبحري والضغط النفسي لدفع السكان الى النزوح من دون اندفاع واسع للقوات البرية حتى الان، ويرجح الخبير العسكري حسن جوني ان اسرائيل لا تزال مترددة بين خيار انشاء منطقة عازلة بعمق يتراوح بين 5 و8 كيلومترات على الحدود او التوسع نحو احتلال جنوب الليطاني، معتبرا ان مسار المعارك على الارض هو العامل الحاسم في تحديد الخيار النهائي، ويخلص جوني الى ان طبيعة المواجهة الحالية تعكس توازنا حذرا بين الطرفين، حيث يسعى كل منهما الى تحقيق اهدافه من دون الانزلاق الى مواجهة شاملة مفتوحة.
وثمة عامل جديد في هذه الحرب يؤثر على مجريات المعركة بشكل يومي ويتمثل بغزارة في اطلاق الصواريخ متوسطة المدى التي يطلقها حزب الله بالتزامن مع وصول الصواريخ الباليستية الايرانية، ويفسر العميد سعيد القزح الغاية من ذلك باغراق واشغال الدفاعات الجوية الاسرائيلية للسماح لبعض الصواريخ الايرانية بالوصول الى اهدافها وايضا محاولة منه لدفع سكان شمال اسرائيل الى النزوح، ولكنه لم ينجح حتى الان في ذلك بعكس مرحلة ما عرف بحرب اسناد غزة.
ويعتبر القزح ان الجغرافيا العسكرية في هذه المواجهة هي اللاعب الاكبر، حيث يحاول الجيش الاسرائيلي استغلال التفوق التكنولوجي والتقدم البطيء لتجاوز تعقيدات التضاريس وانشغاله بالجبهة الايرانية التي يعتبرها الجهد الرئيسي لحربه في هذه المرحلة، بينما يسعى حزب الله لاستخدام عامل لاطالة امد الصراع واستنزاف قدرة الجيش الاسرائيلي، مشددا على ان النتيجة النهائية تبقى رهن بتطور الميدان.
