يبرز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان والقيادي في الحرس الثوري، كواحد من أبرز الشخصيات في إيران، فهو يعكس طبيعة النظام الذي يكافئ الولاء ويستثمر في رجال الميدان، ويمنح الناجين فرصا متكررة لإعادة التموضع. فعلى مدى أربعة عقود، انتقل قاليباف من خنادق الحرب إلى قمرة القيادة، ومن قيادة الشرطة إلى بلدية طهران، ثم إلى رئاسة البرلمان، لكنه لم ينجح في تحقيق طموحه الأكبر بالوصول إلى قصر الرئاسة.
لكن فشل قاليباف في الوصول إلى المنصب الأول لا يعني خسارته معركة النفوذ، بل تكشف مسيرته عن نموذج سياسي خاص داخل إيران، فرجل الدولة الأمني، شديد الصلة بالحرس الثوري، قادر على تقديم نفسه تارة بصفة الجنرال الحازم، وتارة أخرى بصفة المدير التنفيذي، وتارة ثالثة بصفة السياسي البراغماتي القريب من هموم الفئات البائسة، وبين هذه الوجوه المتعاقبة، بقي عنصر واحد ثابتا، وهو حرصه على البقاء داخل الدائرة الصلبة للنظام، لا على هامشها.
ولد قاليباف في عام 1961 في طرقبة قرب مشهد، المدينة التي خرج منها عدد كبير من رجال الدولة والأمن في الجمهورية الإسلامية، وكان انتماؤه الجغرافي إلى خراسان مهما في بيئة سياسية تقوم على الشبكات الشخصية والروابط المحلية، فمشهد لم تكن مجرد مدينة دينية كبرى، بل كانت أيضا خزانا بشريا لنخب النظام، وفيها تتقاطع المؤسسة الدينية مع دوائر الأمن والحرس الثوري.
صعود قاليباف من الحرب إلى السلطة
دخل قاليباف الحياة العامة من بوابة الحرب العراقية الإيرانية، مثل كثيرين من أبناء جيله، فقد صاغت الحرب شخصيته السياسية والأمنية، ومنحته رأسمالا رمزيا ظل يرافقه في كل المناصب اللاحقة. فانخرط أولا في الباسيج، ثم في الحرس الثوري، وصعد بسرعة لافتة داخل التشكيلات القتالية، حتى بات من أصغر القادة سنا في سنوات الحرب، وتولى مسؤوليات في وحدات بارزة، مثل نصر خراسان، ونسج في تلك المرحلة علاقات مع أسماء ستصبح لاحقا من أعمدة النظام، بينها الجنرال قاسم سليماني وخليفته إسماعيل قاآني، وغيرهما من كبار قادة الحرس.
لم تكن حرب الثمانينات بالنسبة إلى قاليباف مجرد سيرة بطولية تروى في الحملات الانتخابية، بل كانت المدرسة التي أتاحت له دخول النخبة الحاكمة من أوسع أبوابها، فمن رحم تلك التجربة خرج جيل كامل من القادة الذين تحولوا لاحقا إلى شبكة مصالح ونفوذ ممتدة بين المؤسسة العسكرية والاقتصاد والسياسة، وكان قاليباف من أكثرهم مهارة في تحويل رصيده العسكري إلى رصيد سياسي.
بعد انتهاء الحرب، لم يخرج قاليباف من المعادلة كما خرج آلاف المقاتلين، بل انتقل مع الحرس الثوري إلى المرحلة التالية من بناء الجمهورية، وهي التمدد داخل الاقتصاد والدولة، وتولى قيادة مجموعة خاتم الأنبياء، الذراع الاقتصادية الأهم للحرس، في مرحلة كان فيها هذا الكيان يتحول من مؤسسة هندسية مرتبطة بإعادة الإعمار إلى إمبراطورية اقتصادية تنافس القطاع الخاص وتستحوذ على المشاريع الكبرى.
قاليباف والاقتصاد الإيراني
وتعد هذه المحطة ضرورية لفهم مسيرة قاليباف، فهي تكشف أن مسيرته لم تكن محصورة في الأمن أو الحرب، بل مرت أيضا عبر البنية الاقتصادية التي شكلها الحرس الثوري بعد الحرب، ومنذ ذلك الوقت، صار اسمه مرتبطا بمنظومة ترى الدولة مجالا لإدارة الموارد والنفوذ معا، لا مجرد جهاز إداري محايد، وداخل هذه المنظومة، يكتسب رجال الحرس قيمة مضاعفة حين يجمعون بين السجل العسكري والخبرة التنفيذية والولاء السياسي.
ثم انتقل قاليباف إلى قيادة القوة الجوية في الحرس بين عامي 1997 و2000، وقدم نفسه في تلك المرحلة باعتباره ضابطا حديثا يجمع بين التخصص العسكري والانفتاح التقني، خصوصا مع ما تردد عن تدريبات تلقاها في الخارج واهتمامه بالطيران المدني والعسكري، وفي الموازاة، حصل على الدكتوراه في الجغرافيا السياسية، في مسار بدا كمحاولة مبكرة لبناء صورة مركبة، فرجل ميدان يحمل أيضا لغة الإدارة والدراسة.
اذا كانت الحرب قد صنعت قاليباف العسكري، فإن احتجاجات 1999 صنعت صورته الأمنية الأكثر رسوخا، ففي تلك السنة، ومع انفجار الحركة الطلابية في طهران ومدن أخرى، كان قاليباف بين أبرز قادة الحرس الذين وقعوا الرسالة الشهيرة إلى الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، ملوحين بتدخل حاسم إذا لم توقف الحكومة الاحتجاجات، لم تكن تلك الرسالة مجرد موقف من أزمة داخلية، بل كانت إعلانا مبكرا بأن الحرس يرى نفسه وصيا على المسار السياسي عندما يعتقد أن النظام مهدد.
صورة قاليباف الأمنية
لاحقا، طاردت قاليباف تسجيلات وتصريحات نسبت إليه، وتفاخر فيها بأنه شارك بنفسه في قمع الطلاب، وأنه كان مستعدا للنزول إلى الشارع واستخدام العصا، وفي مناظرات انتخابات الرئاسة 2013، عاد ملفه الأمني إلى الواجهة حين ذكره حسن روحاني برواية الكماشة الشهيرة، في إشارة إلى طريقة التعاطي مع الاحتجاجات الطلابية، ومنذ ذلك الوقت، بقي لقب جنرال الكماشة جزءا من صورته العامة، لا سيما لدى خصومه من الإصلاحيين والناشطين.
لم يكن هذا الإرث عبئا داخل المؤسسة الحاكمة، بل كان في أحيان كثيرة مصدر قوة، ففي دولة تعطي الأولوية للأمن والاستقرار، يمكن لسجل كهذا أن يقرأ كدليل على الحزم والانضباط، لا على القسوة فقط، ولهذا لم يمنع هذا الماضي صعوده اللاحق، بل ربما مهد له.
في عام 2000، عين المرشد علي خامنئي قاليباف قائدا للشرطة الإيرانية، وكان التعيين ذا دلالة سياسية واضحة، فالرجل جاء من الحرس، وفي لحظة أراد فيها النظام إعادة ضبط الشارع بعد صعود الإصلاحيين واحتجاجات الطلبة، بدا أنه يمثل الخيار الموثوق من بيت المرشد.
قاليباف قائدا للشرطة
وخلال توليه هذا المنصب، سعى قاليباف إلى إظهار الشرطة بمظهر أكثر حداثة وتنظيما، وأدخلت تجهيزات جديدة، وبرز خطاب عن المهنية والانضباط، وجرى تسويق صورته باعتباره قائدا تنفيذيا قادرا على تحديث المؤسسات، لكن هذا الوجه التحديثي لم يلغ حقيقة أن عهده شهد أيضا تشديدا أمنيا على الناشطين والمثقفين والصحافيين، فضلا عن إعادة تفعيل دوريات الآداب العامة وشرطة الأخلاق في الفضاء الاجتماعي.
هنا ظهر التناقض الذي سيرافقه طويلا، فرجل يتحدث بلغة الإدارة الحديثة، لكنه يعمل من داخل منطق أمني صارم، ويحاول أن يبدو إصلاحيا في الأدوات، بينما يظل محافظا في الجوهر، وهذه الازدواجية ستكون لاحقا منبع قوته ونقطة ضعفه في آن واحد.
دخل قاليباف السباق الرئاسي أول مرة عام 2005، وكانت تلك لحظة مفصلية، لأن الرجل قرر أن يختبر قدرته على التحول من قائد أمني إلى سياسي وطني، وفي حملته، بدا مختلفا عن الصورة المتوقعة لضابط سابق في الحرس، وظهر بلباس الطيار، وتحدث لغة إدارية وتنموية، وحاول استقطاب الطبقة الوسطى والمدن الحديثة، مقدما نفسه بصفته تكنوقراطيا قادرا على الإنجاز.
السباق الرئاسي
غير أن هذه المحاولة انتهت بإخفاق واضح، فقد خرج من الجولة الأولى، بينما تقدم عليه محمود أحمدي نجاد، الذي نجح في مخاطبة الغضب الشعبي بلغة أكثر شعبوية وأقل نخبوية.
كشفت تلك الهزيمة عن مشكلة مبكرة في مشروع قاليباف السياسي، وهي قدرته على بناء صورة مهنية لم تكن تكفي وحدها للفوز في انتخابات يختلط فيها الولاء الآيديولوجي بالاستقطاب الاجتماعي وخيارات مراكز القوة.
ومع ذلك، لم تؤد الهزيمة إلى خروجه من المشهد، فبعد أشهر قليلة، انتقل إلى منصب عمدة طهران، ليبدأ أطول مرحلة تنفيذية في مسيرته، وربما أكثرها تأثيرا في مستقبله.
قاليباف عمدة لطهران
على مدى 12 عاما في رئاسة بلدية طهران، بنى قاليباف صورته الأكثر انتشارا، وهي رجل الإنجاز، فتوسعت شبكة المترو، وأطلقت مشاريع بنية تحتية ضخمة، وشقت طرق وأنفاق وجسور، وحرصت آلة إعلامية واسعة على تقديمه بصفته نموذجا للمدير الفعال الذي يفضل العمل على الجدل الآيديولوجي.
داخل العاصمة، اكتسب الرجل سمعة مهمة بين مؤيديه بصفته مسؤولا يعرف كيف يدير مؤسسات كبرى ويتخذ قرارات سريعة، وقد حاول مرارا استخدام هذه السمعة لتوسيع قاعدته الوطنية، مقدما نفسه على أنه تكنوقراط براغماتي قادر على الجمع بين الولاء للنظام والكفاءة التنفيذية.
لكن الوجه الآخر لبلدية قاليباف كان أكثر تعقيدا، فقد تراكمت خلال تلك السنوات اتهامات ثقيلة بالفساد والمحسوبية، وظهرت قضية الأملاك الفلكية التي كشفت بيع عقارات تابعة للبلدية بمبالغ منخفضة إلى مسؤولين وشخصيات نافذة، وتلاحقت ملفات مرتبطة بـ ياس هولدينغ ومؤسسة تعاون الحرس، وبشبهات حول تحويلات مالية وتعاقدات غير شفافة، كما ألقي الضوء على ملفات طالت مقربين منه، وفي مقدمهم نائبه السابق عيسى شريفي، الذي أدين لاحقا في قضايا فساد كبيرة.
شخصية قاليباف المتعددة الوجوه
كذلك أثير الجدل حول دور مؤسسات مرتبطة بعائلته، ومنها مؤسسة خيرية كانت زوجته من بين القائمين عليها، وحول اسم ابنه في ملفات أخرى، ثم جاءت فضيحة سيسموني غيت عام 2022 لتضيف إلى صورته عبئا جديدا، حين أثيرت ضجة واسعة حول رحلة عائلية إلى تركيا لشراء مستلزمات باهظة، وبصرف النظر عن المآلات القانونية، فإن تراكم هذه القصص عزز الانطباع بأن قاليباف، الذي تحدث طويلا عن العدالة الاجتماعية والإدارة الجهادية، لم ينجح في التحرر من صورة السياسي الذي تحيط به شبكات المصالح والامتيازات.
إذا كان هناك وصف يلخص مسيرة قاليباف السياسية، فهو أنه رجل يعيد تصنيع نفسه باستمرار، ففي كل محطة انتخابية تقريبا قدم نسخة مختلفة من شخصيته العامة، ففي 2005 كان الطيار التكنوقراطي، وفي 2013 ظهر بملامح أمنية أكثر وضوحا، وبخطاب أقرب إلى المحافظين المتشددين، وفي 2017 حاول استلهام الشعبوية الاجتماعية والحديث باسم 96 في المائة في مواجهة 4 في المائة من المستفيدين.
وفي 2024 تبنى نبرة أكثر هدوءا ومرونة، محاولا الظهور بمظهر السياسي القادر على التفاوض والانفتاح التكتيكي من دون الاصطدام بجوهر النظام.
محاولات قاليباف المستمرة للرئاسة
عاد قاليباف إلى سباق الرئاسة في 2013، وكان أداؤه آنذاك أفضل من 2005، إذ حل ثانيا خلف حسن روحاني، لكنه خسر بفارق كبير، وفي تلك الحملة، بدا أن خلفيته الأمنية وسعيه إلى استقطاب المحافظين لم يكونا كافيين أمام مرشح نجح في تقديم نفسه بوصفه رجل التسوية والانفراج النووي.
في 2017، دخل السباق مجددا، لكنه انسحب لصالح إبراهيم رئيسي تحت ضغط توحيد الصف المحافظ، ويومها بدا واضحا أن مراكز القوة لا تراه الخيار الأول داخل التيار المحافظ، وأن عليه أن يكتفي بدور المساند إذا اقتضت مصلحة المعسكر ذلك، وفي 2021 لم ينافس بجدية بعدما بدا أن الطريق معبد أمام رئيسي.
ثم جاءت انتخابات 2024 المبكرة بعد وفاة رئيسي، فعاد اسم قاليباف بقوة، غير أن عودته انتهت بإخفاق جديد، هذه المرة أمام منافس من داخل ما يعرف بـ جبهة الثورة نفسها، وكانت تلك الخسارة ذات دلالة خاصة، لأنها أظهرت أن الرجل الذي بنى مكانته على خبرته وتاريخه وشبكاته لم يعد قادرا على فرض نفسه حتى داخل المعسكر المحافظ بوصفه الخيار الطبيعي.
رئاسة البرلمان موقع قوي بنفوذ محدود
في 2020، انتقل قاليباف إلى البرلمان، وسرعان ما تولى رئاسته، ومنذ ذلك الحين أعيد انتخابه أكثر من مرة، محافظا على موقعه في قمة المؤسسة التشريعية، ونظريا، يمنحه هذا المنصب مكانة رفيعة، لأن رئيس البرلمان عضو في مجلس الأمن القومي ومجلس التنسيق الاقتصادي، ويجلس على رأس أحد فروع السلطة.
عمليا، فإن نفوذ البرلمان في إيران يبقى محدودا قياسا بثقل مكتب المرشد والحرس الثوري ومجلس صيانة الدستور وسائر المؤسسات فوق المنتخبة، ومع ذلك، وفرت رئاسة البرلمان لقاليباف منصة مؤسسية مهمة لإدارة التوازنات داخل التيار المحافظ وبناء علاقات مع النواب والحفاظ على حضوره اليومي في قلب القرار.
إعادة انتخابه لرئاسة البرلمان عام 2024، بعد أسبوع من وفاة رئيسي، حملت رسالة واضحة، وهي أن الرجل ما زال يحظى بغطاء من داخل النظام، رغم الجدل الذي يحيط به، فهو ليس الشخصية الأكثر نقاء آيديولوجيا ولا الأقدر على استثارة الحماسة الشعبية، لكنه ما زال من رجال المؤسسة الموثوقين في مرحلة تبحث فيها المؤسسة الحاكمة عن تماسك داخلي أكثر من بحثها عن التجديد.
العلاقة مع خامنئي سر بقاء قاليباف
لا يمكن فهم استمرار قاليباف من دون التوقف عند علاقته العميقة بـ الحرس الثوري وبالمرشد علي خامنئي، فالرجل ابن جيل الحرب وابن خراسان وابن المؤسسات التي صاغها خامنئي منذ توليه القيادة، وهذه الصلات لا تعني بالضرورة تطابقا كاملا في كل الملفات، لكنها تفسر كيف نجا من عثرات كان يمكن أن تنهي أي مسيرة سياسية في نظام أقل تسامحا مع الأخطاء أو الفضائح.
كما أن قاليباف يمثل بالنسبة إلى جزء من المؤسسة نموذجا مرغوبا، فرجل يجمع بين الصرامة الأمنية والخبرة التنفيذية ولا يفتقر إلى اللغة السياسية حين يحتاج إليها، وفي مرحلة تتزايد فيها أهمية التكنوقراط الأمنيين داخل النظام، يظل حضوره مفهوما، حتى عندما لا يكون هو المرشح المفضل للرئاسة.
ومع ذلك، فإن علاقته بالحرس ليست ضمانة مطلقة، فداخل هذه المؤسسة نفسها أجيال واتجاهات وتنافسات، وقد أظهرت محطات عدة أن دعما من بعض دوائر الحرس لا يعني بالضرورة إجماعا عليه، وأن شخصيات أخرى أكثر تشددا أو أقل إثارة للجدل قد تتقدم عليه عندما يتعلق الأمر باختيار رجل المرحلة.
قاليباف بين الإدارة والانضباط الأمني
لم يكن دور قاليباف في بلدية طهران إداريا فقط، ففي احتجاجات 2009 التي اندلعت بعد إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد، ظهر مرة أخرى بوصفه واحدا من رجال النظام الموثوقين في لحظات الخطر، وعلى الرغم من أن منصبه كان مدنيا هذه المرة، فإن اسمه ارتبط بالمساعدة في احتواء الاضطرابات داخل العاصمة وبالتنسيق مع مؤسسات الدولة والأمن لإبقاء المدينة تحت السيطرة، وقد زاد ذلك من رصيده لدى التيار المحافظ، لأنه أكد أن انتقاله إلى العمل البلدي لم يغير موقعه الحقيقي داخل بنية السلطة، بل منحه واجهة مدنية لدور أمني وسياسي أوسع.
هذه القدرة على الجمع بين الإدارة والانضباط الأمني هي بالضبط ما جعل بعض دوائر النظام تنظر إليه باعتباره صالحا لمهمات متعددة، فهو ليس خطيبا عقائديا من طراز المحافظين الأشد صلابة، وليس أيضا رجل مساومات يذهب بعيدا في المرونة، إنه في نظر مؤيديه موظف كبير لدى الجمهورية، يعرف كيف يدير مؤسسة وكيف يضبط طاقمها وكيف يلتزم بالسقف الذي يرسمه المرشد.
حين فاز قاليباف بمقعد طهران في انتخابات 2020، كان ذلك في سياق عزوف انتخابي واسع واستبعاد كثيف للمنافسين، وهو ما تكرر بدرجات مختلفة في انتخابات 2024، لذلك فإن صعوده النيابي لم يكن نتيجة موجة شعبية جارفة، بل ثمرة ترتيب سياسي سمح للمحافظين بإحكام السيطرة على البرلمان، لكن هذه الحقيقة لم تنتقص من أهمية المنصب بالنسبة إليه، ففي نظام تتوزع القوة بين المؤسسات المنتخبة وغير المنتخبة، يمكن لرئاسة البرلمان أن تتحول إلى نقطة تمركز مهمة، حتى لو تراجعت فعالية المؤسسة نفسها، ومن هذا الموقع، حافظ قاليباف على حضوره في ملفات الاقتصاد والسياسة الداخلية وعلى صلته اليومية بمراكز النفوذ التي تحتاج دائما إلى شخص يجمع بين الخبرة والانضباط والطموح.
قاليباف ومشروعه السياسي
بعد أربعة عقود من الصعود والتحول، تبدو مفارقة قاليباف واضحة، فهو رجل نجح في كل شيء تقريبا إلا في الوصول إلى المنصب الذي أراده أكثر من أي شيء آخر، فقد قاد وحدات في الحرب وأدار مؤسسات أمنية ورأس أكبر بلدية في البلاد واعتلى رئاسة البرلمان وبنى شبكة سياسية وإعلامية واسعة، لكنه ظل عند عتبة الرئاسة لا داخلها.
ما يميزه ليس فقط طول البقاء، بل قدرته على التكيف، فهو يعرف كيف يخاطب المؤسسة بلغة الولاء وكيف يخاطب الجمهور بلغة الإدارة وكيف يوظف خبرته العسكرية لتثبيت صورته رجل دولة من دون أن يتحول إلى منظر آيديولوجي صرف، لكن هذا التكيف نفسه هو ما جعل صورته مهتزة أحيانا، إذ بدا كأنه يملك وجوها كثيرة من غير أن يستقر على وجه نهائي مقنع.
في المحصلة، يمثل قاليباف نموذجا دالا على طبيعة نظام الحكم في مرحلتها الراهنة، فنظام لا يفرز فقط رجال العقيدة الخالصة، بل أيضا رجال البقاء والمرونة وإعادة التموضع، وهو بهذا المعنى ليس استثناء داخل النظام، بل أحد أكثر أبنائه تعبيرا عنه.
قاليباف في الحرب مع إسرائيل
وفي الحربين اللتين شكلتا أخطر اختبار للنظام الإيراني في سنواته الأخيرة، برز قاليباف بوصفه واحدا من رجال الطوارئ داخل بنية السلطة، ففي حرب الأيام الاثني عشر في يونيو سعى إلى تقديم نفسه بصفته وجها من وجوه الصمود المؤسسي، وقال لاحقا إن تلك المواجهة قدمت إيران 50 عاما إلى الأمام في محاولة لتحويل لحظة الاستنزاف إلى سردية تعبئة واستنهاض.
ثم عززت تصريحات وزير التراث رضا صالحي أميري هذه الصورة حين قال إن قاليباف ارتدى لباس القتال في غياب بعض القادة وحضر في ساحة المواجهة لمساندة الرئيس والحكومة، لكن الحرب التي اندلعت في 28 فبراير وقتل فيها المرشد علي خامنئي دفعت رئيس البرلمان إلى موقع أكثر حساسية، إذ بدا في لحظة ارتباك نادرة داخل هرم النظام حلقة وصل بين المؤسستين السياسية والأمنية مستفيدا من تاريخه في الحرس الثوري ومن شبكاته المتجذرة داخل الدولة.
بذلك، لم تكن الحرب مع إسرائيل مجرد اختبار جديد لقاليباف، بل مناسبة كشفت وظيفته الأعمق في أجهزة صنع القرار، وهي رجل الأزمات الذي يعود كلما ضاقت الدائرة واحتاج النظام إلى وجه يجمع بين خبرة الميدان وحسابات السلطة.
