دراسة كندية حديثة نشرت مؤخرا قلبت الموازين في عالم بناء الاجسام، حيث كشفت أن الاعتماد على الاوزان الثقيلة ليس الشرط الوحيد لبناء العضلات. فقد بينت الدراسة أن تمارين المقاومة يمكن أن تكون فعالة حتى مع اوزان اخف، مما يفتح الباب امام خيارات اوسع للراغبين في تحسين لياقتهم البدنية وبناء عضلاتهم.

وقال ستيوارت فيليبس، استاذ علم الحركة في جامعة ماكماستر الكندية والمشرف على الدراسة، في تصريح صحفي: "ارفع الاثقال بالطريقة التي تناسبك، فهذا هو جوهر ما توصلنا اليه من خلال ابحاثنا".

واظهرت نتائج الدراسة أن اي نمط من رفع الاثقال يمكن أن يسهم في زيادة الكتلة العضلية والقوة، سواء تم استخدام اوزان ثقيلة او خفيفة، وسواء كان عدد التكرارات قليلا او كثيرا، طالما يتم التمرين بجهد كاف.

الوراثة تلعب دورا في بناء العضلات

واكدت الدراسة ايضا ان للعوامل الوراثية دورا مهما في تحديد استجابة اجسامنا للتدريب، وهو ما يفسر سبب اكتساب بعض الاشخاص قوة ملحوظة دون تغيير كبير في حجم العضلات، بينما يلاحظ اخرون زيادة واضحة في حجم عضلاتهم.

ورغم الفوائد المتعددة لبناء العضلات، مثل تحسين تكوين الجسم، وزيادة كثافة العظام، ودعم صحة القلب والاوعية الدموية، يظل السؤال الاهم هو: ما الذي يبني العضلات فعلا اذا لم تكن الاوزان الثقيلة هي العامل الحاسم؟ وكم عدد التكرارات المطلوبة لتحقيق افضل النتائج؟

ويرى فيليبس ان جزءا كبيرا من ثقافة رفع الاثقال في الصالات الرياضية يفتقر الى الادلة العلمية القوية، حيث يصر الكثيرون على رفع اوزان ثقيلة لسنوات طويلة، ويكادون لا يتمكنون من اكمال 8 او 9 تكرارات فقط، وذلك اعتقادا منهم بان الكتلة العضلية والقوة لا تتحقق الا بهذه الطريقة.

مراجعة علمية شاملة تغير المفاهيم

وبينت مراجعة علمية واسعة نشرت في عام 2023، وشملت مئات التجارب، أن اي برنامج منظم لرفع الاثقال، حتى مع الاوزان الخفيفة، يعتبر افضل بكثير من عدم ممارسة التمارين الرياضية على الاطلاق، ويسهم بشكل فعال في تعزيز القوة واللياقة البدنية وتضخيم العضلات.

وانطلاقا من هذه المعطيات، قام فيليبس وفريقه بتصميم تجربة عملية شملت 20 شابا من الاصحاء الذين لا يمارسون تمارين رفع الاثقال بشكل منتظم، وبعد قياس حجم وقوة عضلاتهم، تم تقسيمهم الى مجموعتين.

واضاف الباحثون ان المجموعة الاولى قامت برفع اوزان ثقيلة واداء تمرين واحد للذراعين واخر للساقين باستخدام اوزان مرتفعة، بينما قامت المجموعة الاخرى باداء التمارين نفسها باستخدام اوزان اخف بكثير.

نتائج مدهشة تكشف قوة الجهد المبذول

وكشفت الدراسة ان المجموعة التي رفعت اوزانا ثقيلة لم تستطع اكمال اكثر من 12 تكرارا قبل الوصول الى مرحلة الاجهاد العضلي الكامل، في حين تمكنت المجموعة التي استخدمت الاوزان الخفيفة من اداء حوالي 25 تكرارا قبل التوقف.

وتدرب المشاركون في الدراسة ثلاث مرات اسبوعيا لمدة 10 اسابيع تحت اشراف مباشر من الباحثين، ومع مرور الوقت، اصبحوا قادرين على اكمال 12 تكرارا بالاوزان الثقيلة و 25 تكرارا بالاوزان الخفيفة بسهولة، مما دفع الفريق البحثي الى زيادة الاوزان في المجموعتين للحفاظ على مستوى الجهد المطلوب.

وعند اعادة الاختبارات، تبين ان كلتا الطريقتين كانتا فعالتين بالقدر نفسه تقريبا، حيث زادت قوة وحجم عضلات جميع المشاركين، مع وجود فروق طفيفة بين الاطراف، فقد اصبحت الذراع التي رفعت اوزانا خفيفة قريبة في القوة من الذراع التي رفعت اوزانا ثقيلة، وكذلك الحال في الساقين.

الخلاصة: الجهد هو مفتاح بناء العضلات

وشدد فيليبس على ان "ثقل الوزن ليس العامل الحاسم في بناء العضلات، بل ان الجهد المبذول والوصول الى حد الاجهاد العضلي هو ما يحرك التكيف". موضحا انه عندما يتم دفع العضلة الى العمل قرب حدود قدراتها، تتحقق النتائج المرجوة، سواء تم استخدام اوزان خفيفة بتكرارات كثيرة او اوزان اثقل بتكرارات اقل.

واوضح الباحثون انه اذا كنت تعاني من الام في المفاصل او لا تفضل الاوزان الثقيلة، يمكنك الاعتماد على اوزان اخف مع تكرارات اكثر حتى تقترب من حد الاجهاد، اما اذا كان وقتك محدودا، فقد تساعد الاوزان الاثقل على انجاز التمرين في وقت اقصر مع عدد تكرارات اقل.

العوامل الوراثية تلعب دورا في النتائج

وبينت الدراسة ان استجابة الاشخاص انفسهم لبرنامج التدريب قد تختلف بشكل ملحوظ، حيث نصح فيليبس بعدم توقع نتائج مماثلة تماما لنتائج الاخرين.

واضاف ان بعض المشاركين تمكنوا من مضاعفة قوتهم او كتلتهم العضلية تقريبا، بينما كانت الزيادة لدى اخرين اكثر تواضعا، ولم تكن هناك علاقة ثابتة بين حجم العضلات والقوة، اذ ازداد بعضهم قوة دون زيادة كبيرة في الحجم، في حين برز حجم عضلات اخرين مع تحسن اقل في القوة.

واكد الباحثون ان هذه الفروق تعود الى العوامل الوراثية، موضحين ان لكل شخص "بصمة عضلية" خاصة في طريقة استجابته للتدريب، فبعد 10 اسابيع من الالتزام بالبرنامج نفسه، قد تبدو النتائج الخارجية متباينة، لكن النتيجة الجوهرية مشتركة وهي اننا "سنصبح جميعا اقوى واكثر لياقة عضلية، وان اختلفت درجة التغيير من شخص لاخر".

ونصح الباحثون المتدربين بعدم الشعور بالاحباط اذا لم تظهر زيادة كبيرة او سريعة في حجم العضلات، فقد تكون المكاسب اكثر وضوحا في القوة او القدرة على اداء التمرين، وهو تقدم لا يقل اهمية عن التغير الشكلي.