عادت الخلافات إلى الواجهة داخل المجلس الرئاسي الليبي لتؤشر على تعمق الصدوع وذلك على وقع مرسوم جديد أصدره رئيس المجلس محمد المنفي يقضي بإسناد تبعية «الجريدة الرسمية» إلى وزارة العمل تنفيذا لحكم صادر عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس.
وقوبلت خطوة المنفي برفض وانتقادات حادة من جانب عضوي المجلس عبدالله اللافي وموسى الكوني بعدها قرارا فرديا دون إجماع وهي مسالة تكررت منذ مطلع العام الماضي.
ومن منظور قانوني فان الخلافات داخل المجلس الرئاسي الليبي «قابلة للتكرار» وهي رؤية عضو الهيئة التاسيسية لمشروع الدستور ضو المنصوري الذي يعتقد ان «تركيبة المجلس التي تشكلت خلال مؤتمر جنيف اسهمت في استدامة الازمات في بلد يمر بمرحلة انتقالية معقدة».
الخلافات القانونية تعمق أزمة المجلس الرئاسي
واوضح المنصوري لـ«الشرق الاوسط» ان القرارات الصادرة عن المجلس الرئاسي «يفترض ان تتخذ باجماع اعضائه وحسب اتفاق جنيف قبل 5 اعوام» غير ان ما حدث حسب تعبيره هو «نزوع من جانب الى تصرفات انفرادية» الامر الذي يثير تساؤلات بشان مقاصد الجهات التي دفعت بهذا المسار.
والمرسوم اعاد فتح نقاشات قديمة حول اليات اتخاذ القرار داخل المجلس الرئاسي وحدود الصلاحيات فقد اعتبر النائب الكوني ان السلطة تمارس جماعيا وفق الاتفاق السياسي وان اي اجراء منفرد يفتقر الى المشروعية لغياب الاجتماع الرسمي والمحضر والتوقيع الجماعي وراى ان ما جرى يمثل تجاوزا للصلاحيات المشتركة وتعطيلا فعليا لعمل المجلس الرئاسي.
واما اللافي فقد ذهب الى اعتبار ان احكام المحكمة العليا الليبية ناجزة ونافذة بذاتها ولا تحتاج الى ادوات تنفيذية اضافية واعتبر ان اشتراط مراسيم لاحقة لتنفيذ احكام باتة قد يفهم بوصفه تقويضا لترتيب القواعد القانونية واضعافا لحجية الشيء المقضي فيه.
المنفي يدافع عن المرسوم وسط انتقادات حادة
والسياق القانوني للازمة يرتبط ايضا بتعديلات سابقة اجراها مجلس النواب الليبي العام الماضي لنقل تبعية «الجريدة الرسمية» الى ديوان المجلس قبل ان تقضي الدائرة الدستورية في نوفمبر الماضي بعدم دستورية التعديل.
ورغم حرص المنفي على الدفاع عن المرسوم واعتباره خطوة تستهدف الحفاظ على تماسك المؤسسة القضائية فان الخلاف الراهن لا يبدو محصورا في اطار اجرائي ضيق او مرتبطا بمرسوم بعينه اذ يعكس في جوهره تراكم تباينات اعمق داخل المجلس الرئاسي.
ومنذ مطلع العام الماضي برز ما وصف بـ«نزال المبادرات» داخل المجلس الرئاسي اذ طرح الكوني مبادرة للعودة الى نظام الاقاليم الثلاثة التاريخية في مقابل رؤية للافي تدعو الى تقسيم اداري موسع يقوم على اللامركزية كما اصطف النائبان سابقا ضد مرسوم للمنفي يقضي بوقف العمل بقانون انشاء المحكمة الدستورية وتشكيل «مفوضية الاستفتاء والاستعلام» وتحديد اليات انتخاب المؤتمر العام للمصالحة الوطنية عادين انها لا تخدم التوافق المؤسسي.
توترات متصاعدة تهدد استقرار المجلس الرئاسي
وعقب اشتباكات دامية شهدتها العاصمة طرابلس في صيف العام الماضي على خلفية مقتل قائد ميليشيا «دعم الاستقرار» عبد الغني الكيكلي وجه اللافي انتقادات لقرارين اصدرهما المنفي بشان تشكيل لجنة امنية وعسكرية واخرى حقوقية معتبرا ان «رئيس المجلس لا يملك صلاحيات اتخاذ قرارات احادية».
كما ان قرار المنفي الصادر الشهر الماضي بتعيين علي الصلابي الامين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مستشارا لشؤون «المصالحة الوطنية» في البلاد قوبل باعتراض نائبه موسى الكوني.
ويلاحظ ان اعضاء المجلس الرئاسي الثلاثة لم يعقدوا اجتماعا مكتملا بتشكيلهم الكامل منذ اكثر من عام ونصف العام في لقاءات معلنة فيما اقتصر التواصل على اجتماعات ثنائية او على بيانات مشتركة ومنسقة صدرت عن عبدالله اللافي وموسى الكوني عبرا فيها عن رفضهما لقرارات محمد المنفي.
مراقبون يحذرون من غياب آليات لفض النزاعات
وهذه التوترات الدورية اعادت تسليط الضوء على اشكاليات هيكلية في بنية المجلس الرئاسي واختصاصاته خصوصا في ظل تمديد المرحلة الانتقالية وتعقد المشهدين السياسي والامني اذ يرى مراقبون ان غياب اليات حاسمة لفض النزاعات الداخلية وتحديد نطاق الصلاحيات التنفيذية يفتح الباب امام تفسيرات متباينة تنعكس مباشرة على فاعلية المؤسسة.
فالمجلس الرئاسي الذي تاسس عام 2016 بموجب اتفاق مدينة الصخيرات المغربية لعام 2015 برئاسة فائز السراج وعضوية اربعة اعضاء اخرين اعيد تشكيله لاحقا بتركيبته الراهنة في عام 2021 استنادا الى مخرجات ملتقى الحوار السياسي في جنيف وقد انيطت به منذ خمس سنوات مهام تمثيل الدولة وقيادة المؤسسة العسكرية وتيسير العملية الانتخابية وادارة ملف المصالحة الوطنية اضافة الى تعيين بعض المناصب السيادية غير ان التجربة العملية اظهرت ان تحقيق التوازن بين مقتضيات القيادة الجماعية ومتطلبات الفاعلية التنفيذية لا يزال موضع اختبار مستمر.
وفي ظل الجدل الموصول بشان تصدعات المجلس الرئاسي لا يرى عضو «الهيئة التاسيسية لصياغة الدستور» ضو المنصوري «فارقا يذكر» بين تجربة المجلس الرئاسي في ليبيا ونموذج المجلس الرئاسي الذي افرزه اتفاق ديتون عام 1995 والذي انهى حربا اهلية في البوسنة والهرسك.
وحذر المنصوري من ان المجلس الرئاسي الليبي بتركيبته التي يمثل فيها شرق ليبيا وغربها وجنوبها «يواجه شبح الشلل الدستوري على نهج المجلس الموجود في البوسنة الذي تاسس من قبل على قاعدة التوازن بين البوشناق والصرب والكروات وظل اسير الجمود الدستوري والمحاصصة القومية ما حد من فاعليته التنفيذية».
وفي المحصلة يكشف الجدل حول مراسيم المنفي عن معضلة اعمق تتعلق بطبيعة الحكم الانتقالي في ليبيا تضع متابعين في حيرة بين الحفاظ على مبدا التوافق داخل مؤسسة متعددة الاعضاء دون ان يتحول ذلك الى عامل شلل او مصدر تنازع دائم حول الشرعية والاجراءات.
