قد يبدو الحديث العابر مجرد دردشة خفيفة عن الطقس او عطلة نهاية الاسبوع. لكنه في بيئة العمل يتجاوز كونه مجاملة اجتماعية الى مهارة مهنية قد تفتح ابوابا واسعة للنجاح.

قال استاذ علم النفس التنظيمي في جامعة لايبزيغ هانس تساشر ان الاشخاص الذين يتقنون فن الحديث القصير يحققون اداء افضل في مقابلات العمل ومفاوضات الرواتب. بل وفي ادائهم الوظيفي عموما. اضاف ان هذا النوع من التواصل يسهم ايضا في خلق اجواء ايجابية داخل فرق العمل.

لا تقتصر فوائد الحديث العابر على تحسين الصورة المهنية. بل تمتد الى تعزيز العلاقات الاجتماعية بين الزملاء. فالتبادل البسيط حول شؤون الحياة اليومية يمكن ان يقوي الروابط ويجعل بيئة العمل اكثر دعما. وهو ما ينعكس ايجابا على الصحة النفسية والمهنية عند مواجهة ضغوط او مشكلات.

دعم العلاقات المهنية والصحية

ورغم ان هذه المهارة ليست سهلة للجميع. فان الخبراء يؤكدون انها قابلة للتعلم. تقدم المدربة الالمانية مادلين لانغ خمس خطوات عملية لاتقانها في بيئة العمل.

تنصح لانغ بالتدرب على الحديث العابر خارج نطاق العمل اولا. كان تبدا بمحادثة قصيرة في متجر او مع جار. هذه الخطوات الصغيرة تعزز الثقة بالنفس. هو ما يؤكد عليه تساشر الذي يشير الى اهمية الكفاءة الذاتية او الايمان بالقدرة على النجاح في التفاعل الاجتماعي. كما يمكن مراقبة اشخاص بارعين في الحديث واستخلاص اساليب تناسب شخصيتك.

ليست كل اللحظات ملائمة لبدء دردشة. فاذا بدا زميلك متوترا او مستعجلا. فقد يكون من الافضل تاجيل الحديث. يمكن اختبار الاستعداد بسؤال بسيط مثل هل لديك استراحة الان؟. تؤكد لانغ ان التحية الودية عند الة القهوة قد تكون كافية احيانا. دون الحاجة لاطالة الحديث.

التدرب تدريجيا والتحية الودية

الطقس. العواصف الموسمية. الهوايات. السفر. او حتى اجواء حفلة المكتب كلها موضوعات امنة تمهد لحوار مريح. ينصح الخبراء بتجنب القفز السريع بين المواضيع. لان ذلك قد يعطي انطباعا بعدم الاصغاء. كما يفضل الابتعاد عن القضايا الحساسة مثل السياسة والدين. وتجنب النميمة. لما قد تتركه من اثر سلبي على روح الفريق.

الانصات الفعال عنصر اساسي في نجاح الحديث العابر. ويعني ذلك الحضور الكامل دون الانشغال بالهاتف. مع طرح اسئلة مفتوحة تعطي الطرف الاخر مساحة للحديث. يمكن تلخيص ما قاله المتحدث احيانا لاظهار الاهتمام. مما يعزز الثقة ويبقي الحوار سلسا.

كما ان البداية مهمة. فان الخاتمة لا تقل اهمية. عبارات مثل تذكرت ان لدي موعدا الان تساعد على انهاء الحديث بلطف. تنصح لانغ باجراء الحديث القصير قبل اجتماع محدد. ما يسهل انهاءه عند حلول موعد الالتزام التالي. كما يمكن استخدام تغيير المكان كالتوجه لاحضار قهوة كطريقة طبيعية لاختتام الدردشة.

الانصات الفعال والخاتمة اللطيفة

وبينما ينظر الى الحديث العابر على انه مسالة بسيطة. تشير الابحاث والخبرات المهنية الى انه استثمار اجتماعي صغير بعائد كبير. يعزز العلاقات ويقوي الحضور المهني. ويجعل بيئة العمل اكثر انسانية وتعاونا.

تظهر دراسات علمية عديدة ان الحديث العابر في العمل ليس مجرد مجاملة غير مهمة. بل له تاثيرات ايجابية ملموسة في العلاقات المهنية والصحة النفسية للموظفين. فقد وجدت دراسة نشرت في اكاديمي اوف ماناجمنت جورنال ان الضحكات الخفيفة والدردشات القصيرة ترفع معنويات الموظفين وتزيد شعورهم بالامتنان وتعاونهم مع الزملاء. ما يحسن بيئة العمل ويعزز سلوكيات الدعم الجماعي. رغم ان هذا النوع من الحديث قد يشتت الانتباه احيانا عن المهام الاساسية.

تشير دراسة اجرتها جامعة وارويك البريطانية عام 2022 الى ان اربع دقائق فقط من الحديث القصير قد تكفي لتكوين انطباع عن شخصية الطرف الاخر والتنبؤ بسلوكه.

فوائد الحديث القصير في بيئة العمل

وخلصت الدراسة الى ان المشاركين الذين تبادلوا دردشة قصيرة قبل اداء مهام مشتركة اظهروا تعاونا وسلوكا اجتماعيا اعلى من اولئك الذين لم يتفاعلوا مسبقا.

وبحسب تحليل اجراه جورنال ريكورد استطلع اراء موظفين حول دور الحديث القصير. قال نحو 72% منهم ان الحديث العابر يجعل بيئة العمل اكثر احتمالا. فيما ذكر 77% انه يساعد في تعزيز العلاقات بين الزملاء وتحسين التعاون. ويقلل من احتمالات الاحتراق المهني او الاستقالة.

تعكس هذه النتائج ما يؤكده علماء النفس التنظيمي ايضا من ان الحديث العابر يعزز شعور الانتماء والارتباط الاجتماعي. مما ينعكس ايجابا على الصحة النفسية والرفاهية العامة للموظف. لا سيما في مواجهة ضغوط العمل اليومية.