المواجهة لا تقتصر على العقوبة بل تمتد إلى الوقاية والعلاج

داود حميدان 

أكد القانوني ماهر البطوش أن المخدرات في الإطار القانوني الأردني تمثل تهديدًا مباشرًا للنظام العام وأمن المجتمع، باعتبارها اعتداءً صريحًا على حق الإنسان في الحياة والسلامة الجسدية والاستقرار الاجتماعي، وهي حقوق كفلها الدستور وحماها القانون بوصفها من ركائز الدولة الحديثة.

وأوضح البطوش أن المشرّع الأردني لم يتعامل مع جرائم المخدرات كجرائم تقليدية، بل نظر إليها بوصفها جرائم ذات طبيعة خاصة ومضاعفة الأثر، تتجاوز أضرارها الشخص المتعاطي لتصيب الأسرة والمجتمع بأكمله، مما استدعى تبنّي سياسة جنائية تقوم على الحزم في المكافحة، بالتوازي مع مسارات الوقاية والإصلاح.

المخدرات مدخل لجرائم أخطر

وأشار إلى أن تعاطي المواد المخدرة لا يقتصر خطره على الجانب الصحي، بل يؤدي إلى إضعاف الإدراك وغياب القدرة على التمييز، ما يجعل المتعاطي أكثر عرضة للانخراط في سلوكيات إجرامية تمس الأشخاص والأموال. وأضاف أن التجربة القضائية أثبتت وجود ارتباط مباشر بين المخدرات وارتفاع معدلات الجرائم الجسيمة، الأمر الذي يبرر تشديد التجريم حمايةً للمصلحة العامة وصونًا لأمن المجتمع.

تمييز قانوني بين المتعاطي والمروّج

وبيّن البطوش أن القانون الأردني انتهج معالجة دقيقة، ففرّق بين من اتخذ من المخدرات نشاطًا إجراميًا منظمًا كالترويج والاتجار، وبين من وقع في دائرة التعاطي والإدمان. فالتشديد يطال المروجين والمتاجرين باعتبارهم مصدر الخطر الحقيقي، في حين فتح القانون باب العلاج والتأهيل للمتعاطي، إدراكًا بأن الإدمان في جوهره حالة مرضية وسلوكية تستوجب الإصلاح قبل العقاب.

العلاج جزء من فلسفة التشريع

وأضاف أن فلسفة قانون المخدرات تنسجم مع المبادئ الحديثة في السياسة الجنائية، حيث لا يُعدّ الحبس غاية بحد ذاته، بل وسيلة تُستخدم عند الضرورة، بينما يظل العلاج وإعادة التأهيل والدمج المجتمعي أدوات أكثر فاعلية في منع تكرار الجريمة. فالعقوبة دون مسار علاجي قد تعمّق المشكلة بدل حلّها.

الأسرة خط الدفاع الأول

وأكد البطوش أن الجهود الرسمية في المكافحة تبقى غير مكتملة دون شراكة مجتمعية حقيقية، مشيرًا إلى أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول، إذ تبدأ كثير من حالات التعاطي داخل الإطار العائلي قبل أن تظهر للعلن. ولفت إلى أن الخوف من الوصمة الاجتماعية يدفع بعض الأسر إلى التستر، ما يؤخر التدخل حتى تتفاقم المشكلة وتصبح أكثر خطورة.

وأوضح أن المبادرة إلى علاج المتعاطي أو مراجعته للمراكز المختصة لا تمثل فشلًا اجتماعيًا، بل سلوكًا قانونيًا مسؤولًا يتفق مع أهداف التشريع الإصلاحية، ويهدف إلى إنقاذ الفرد وحماية المجتمع من تحوّل التعاطي إلى مسار إجرامي.

المخدرات قضية رأي عام

وشدد على أن محاربة المخدرات لا تكتمل دون تحويلها إلى قضية رأي عام، من خلال حملات التوعية والبرامج الإعلامية والخطاب التربوي والديني، بما يعزز الوعي القانوني والأخلاقي بخطورتها. فنبذ المخدرات اجتماعيًا لا يقل أهمية عن تجريمها قانونيًا، لأنه يعزز مناعة المجتمع ويجعل الوقاية سلوكًا جماعيًا دائمًا.

معركة وطنية لا تحتمل التردد

وختم البطوش بالقول إن المخدرات ليست قضية فردية ولا مجرد مسألة عقوبات، بل معركة وطنية تمس أمن المجتمع وحقه في الحياة الآمنة، وتتطلب تطبيق القانون بحزم، وتفعيل مسارات العلاج بوعي، وتكامل دور الدولة مع الأسرة والمجتمع. فحين تتوحد الجهود ويُكسر حاجز الخوف من المواجهة، يصبح بالإمكان بتر هذه الآفة من جذورها وحماية الأجيال القادمة.