في تطور قضائي لافت أثار ارتدادات واسعة في الأوساط المالية والاستثمارية، أصدرت الجهات القضائية في الأردن قرارا حاسما بمنع سفر مدير إحدى كبريات شركات التداول في البورصات العالمية المرخصة في المملكة.
وهذا القرار ليس مجرد إجراء احترازي روتيني، بل هو رأس جبل الجليد في قضية "احتيال وإساءة أمانة" وُصفت بأنها الأضخم من نوعها، حيث تلامس خسائرها لمشتكٍ واحد فقط حاجز الـ 7.5 مليون دولار (ما يعادل نحو 5.3 مليون دينار أردني).
وتأتي هذه الخطوة لتعيد تسليط الضوء على قطاع التداول الإلكتروني الذي يضم قرابة ربع مليون متداول أردني، وسط تساؤلات مشروعة حول ثغرات الرقابة التقنية والحدود الفاصلة بين الخسارة الطبيعية في الأسواق العالمية وبين "الهندسة البرمجية" المتعمدة لتصفير حسابات المودعين.
من الخسارة المالية إلى الجرم الجنائي
بدأت خيوط القضية تتضح حينما أحال المدعي العام ملف الشكوى المقدم من قبل الدكتور المحامي مازن القاضي إلى المحكمة المختصة للنظر فيها.
الشكوى لم تكن تتعلق بظروف السوق المتقلبة، بل ركزت بشكل مباشر على اتهامات بالاحتيال وإساءة الأمانة ضد شركة مرخصة محلياً من قبل هيئة الأوراق المالية، ومرتبطة بهيكل تنظيمي مع شركة أجنبية خارج الحدود.
ووفقا لتصريحات أدلى بها القاضي لموقع "صوت عمان"، فإن قرار منع السفر جاء لضمان حقوق المشتكين في حال صدور قرار بالإدانة، خاصة في ظل وجود اتهامات تشير إلى احتمالية تحويل أموال طائلة إلى حسابات خارجية.
المدير المعني، والشركاء، ومسؤولو الحسابات باتوا الآن في مواجهة مباشرة مع "بينات فنية" قدمتها جهات التحقيق والادعاء العام، والتي تدعي وجود تلاعب تقني مباشر أدى إلى تبخر ملايين الدولارات في غضون فترات وجيزة.
كيف يتم التلاعب بالمتداولين؟
ما يميز هذه القضية عن قضايا البورصات الوهمية السابقة هو أن الشركة المعنية "مرخصة"، مما يمنحها غطاءً من الموثوقية يجذب كبار المستثمرين، إلا أن ملف القضية يكشف عما وُصف بـ"ممارسات خطيرة" تمثلت في استخدام برمجيات ومنصات تداول متطورة تمنح الشركة قدرات مطلقة للتحكم في عدة مسارات تقنية وهي:
الانزلاقات السعرية (Slippage): حيث يتم تنفيذ الصفقات بأسعار تختلف عن الأسعار الحقيقية للسوق في أجزاء من الثانية، مما يضمن تآكل هامش الربح للمستثمر.
الرافعة المالية (Leverage): التلاعب بنسب الرافعة لدفع العميل إلى مستويات خطورة عالية تؤدي في النهاية إلى "نداء الهامش" (Margin Call) وإغلاق الحساب تلقائياً.
التحكم بحركة التداول: تشير المعلومات إلى أن المنصة قد تملك قدرة على تعطيل تنفيذ الأوامر في لحظات الذروة أو الأخبار الاقتصادية الهامة، مما يحرم المتداول من جني الأرباح أو تقليل الخسائر.
تهم ثقيلة: الاحتيال وإساءة الأمانة في ميزان القانون
تجاوز حجم الشكوى مجرد نزاع مالي بسيط؛ فالادعاء العام وجه تهم الاحتيال (وفق المادة 417 من قانون العقوبات) وإساءة الأمانة، وهي تهم تقتضي وجود "قصد جرمي" ونيات مبيتة للاستيلاء على أموال الغير.
وطالت التهم الشركة المحلية، والشركة الأجنبية المرتبطة بها ومالكي الشركتين والمديرين التنفيذيين.
التحقيقات تشير إلى أن الأموال التي كان يعتقد المتداولون أنها تُستثمر في الأسواق العالمية، كانت في الواقع تخضع لدورة مالية معقدة تنتهي في حسابات شركات أجنبية تابعة للملاك أنفسهم، مما يجعل من "الخسارة" وسيلة لتحويل الأموال لا أكثر.
القاضي: سيادة القانون هي المرجع
في تصريحاته الصحفية، التزم المحامي مازن القاضي بلغة قانونية رصينة، مؤكداً أن اللجوء إلى القضاء جاء بعد استنفاد السبل كافة للدفاع عن حقوق المتضررين.
وقال إن "سيادة القانون هي المرجع الوحيد، وأن الإجراءات القضائية كفيلة بإظهار الحقيقة كاملة دون استباق للأحكام".
هذا الهدوء القانوني يقابله غضب واسع في الشارع المالي؛ حيث تشهد الأشهر الأخيرة حالة من الاحتقان بين متداولين أكدوا تعرضهم لعمليات مشابهة في نفس الشركة.
بعض هؤلاء المتضررين أكدوا أن وعود "الربح المضمون" والاستشارات التي كان يقدمها مسؤولو الحسابات في الشركة كانت "كمائن" لزيادة الإيداعات قبل تنفيذ ضربات التصفية النهائية للحسابات.
وتعتبر هذه القضية الأكبر في تاريخ الأردن المعاصر فيما يخص تداولات "الفوركس" والبورصات العالمية عبر شركات مرخصة. فحجم الخسارة (7.5 مليون دولار لمشتكٍ واحد) يفتح الباب أمام تساؤلات حول إجمالي المبالغ التي قد تكون قد فُقدت لمتداولين آخرين لم يجرؤوا بعد على اللجوء للقضاء، أو لم يدركوا بعد أن خسارتهم كانت "بفعل فاعل" وليست بتقلبات السوق.
ويرى مراقبون اقتصاديون أن هذه القضية ستمثل نقطة تحول في كيفية تعامل "هيئة الأوراق المالية" مع تراخيص شركات الوساطة، فالمسألة لم تعد تتعلق بالأوراق الثبوتية والضمانات البنكية فقط، بل بـ "الأمن السيبراني المالي" ومدى قدرة الهيئات الرقابية على فحص نزاهة البرمجيات التي تستخدمها هذه الشركات في تداول أموال المواطنين.
المحامي مازن القاضي، الذي يحمل ملف هذه القضية الثقيلة، يراهن على "البينات الفنية" التي لا تكذب، مؤكدا أن التكنولوجيا التي استخدمت للاحتيال هي نفسها التي ستستخدم لإدانة المتورطين، حيث أن كل حركة على "السيرفر" تترك أثرا رقميا لا يمكن محوه بسهولة.