د. محمود الجبارات

أستاذ التأريخ الحديث والمعاصر المشارك

جامعة البلقاء التطبيقية / كلية عمان الجامعية

لعل سلطنة عُمان من البلدان القليلة التي لا أدخر جهدا لزيارتها كلما سنحت الفرصة؛ ولعلي لا أملها وتشدني اليها هذه الخيوط السحرية التي تلف روحي كلما ذُكرت او هب صبا من ذكرى بحر العرب والخليج العربي وهذا الأفق العربي الممتد من مسقط الى فضاءات آسيا وأفريقيا ؛ وفي كل مرة أزورها أجد شيئا جديدا او مُبهجا او طريفا لم أره من قبل ؛ ويدهشني هذا الإرث الحضاري والتراثي المتناغم مع ما بعد الحداثة ( post modernity ) دون ان يفقد جوهره وألقه أو روحه أو يتخلى عن ماضيه أو بوصلته .

البحرية العُمانية

خلال زيارتي الى سلطنة عٌمان في شباط الماضي أتيحت لي الفرصة لزيارة موقع البليد الاثري القديم المسجل على قائمة اليونسكو للتراث العالمي والواقع على الشريط الساحلي لمدينة صلالة / منطقة الحافة في محافظة ظفار قرب ساحل المحيط الهندي . وهو اليوم أحد المزارات الحضارية والثقافية الهامة في السلطنة ويضم إضافة الى المدينة الاثرية القديمة التي يعود تاريخها الى العصر البرونزي ( 2500 قبل الميلاد ) متحف أرض اللبان العُماني

وكان ميناءا تجاريا هاما لتصدير اللبان منذ القرن الثامن الميلادي وحتى القرن السادس عشر ؛ ويضم الموقع حصنا هو مقر الحاكم ومسكنه وبوابة رئيسة وثلاثة أبراج دفاعية ومبنى لحاشية الحاكم وجدارا في الجهة الجنوبية يحوي (17 ) برجا دفاعيا واربع كاسرات أمواج .

أولت عُمان منذ أقدم العصور اهتماما كبيرا بأسطولها التجاري وأسطول صيد السمك وأسطولها لصيد اللؤلؤ وقوتها البحرية والاسطول الحربي باعتباره قوة لحماية تجارتها البحرية ؛ لأن التجارة البحرية المزدهرة بحاجة الى اسطول يحميها في أعالي البحار من الأعداء والمنافسين التجاريين والقراصنة وحماية السواحل العُمانية .

وشكل الإرث الثقافي والحضاري والتاريخي المتميز لعُمان ، في مجال البحرية ؛ المرتبط باعتبارها إمبراطورية مترامية الأطراف وكان من مقوماتها وجود اقتصاد مزدهر وقوة اسطولها البحري التجاري والحربي الرادع ؛ ولذلك كان هناك تأكيد عُماني باستمرار ان تجاري تشكيلات اسطولها البحري بفرعيه التجارة البحرية وصيد اللؤلؤ والاسطول البحري الاساطيل القوية في العالم ؛ وتأثرت صناعة السفن العُمانية التقليدية منذ أقدم العصور بصناعة السفن المعاصرة لها من حيث السعة والتسليح وطرق البناء والمواد المستخدمة في انشائها واشترى العمانيون السفن المتطورة من القوى البحرية المختلفة العاملة في شرق آسيا وافريقيا وأوروبا .

ورغم ان عُمان تملك العديد من الموانئ البحرية الا ان موقع البليد يبدو أقدمها وتشير الدراسات التاريخية الى ان تاريخ البحرية العُمانية يعود الى الحضارة الاكادية في بلاد الرافدين وشكلت البحرية العُمانية حلقة وصل بين بلاد الرافدين والهند ومصر منذ أقدم العصور .

وثقت أول معركة بحرية في خليج عُمان نحو عام 2200 قبل الميلاد عندما هزم نارام سين ملك الاكاديين في بلاد ما بين النهرين مجان وغسل ذراعيه في البحر الأدنى . واستمرت الصلات الحضارية والثقافية بين عُمان والحضارة الفرعونية في مصر وحضارة بلاد الرافدين في العراق وحضارة بلاد فارس والحضارة الهندية طيلة القرون اللاحقة في تأثير وتأثر متبادل ومتميز بالطلب المتزايد على اللبان العُماني وتبادل السيطرة على طرق التجارة .

كان لعُمان وعرب جنوب الجزيرة العربية دور هام واساسي في نشأة وتطور الملاحة الإسلامية في صدر الإسلام وخلال خلافة عثمان بن عفان أشتهر ميناء صور العُماني، وعرف من موانئ عمان في صدر الإسلام أيضا ميناء دبا في أقصى شمال عُمان وميناء صُحار. كما ان البحرية العُمانية نشرت الإسلام في شرق آسيا وافريقيا فإنها حملت معها التقاليد والعادات والثقافة العربية الإسلامية وتراثها البحري العريق

وفي عهد بني أمية تصدت البحرية العُمانية ؛ بناء على طلب والي العراق الحجاج الثقفي للقرصنة البحرية الهندية . وساهمت البحرية العُمانية في فتح الهند في عهد بني أمية وساهموا في بناء قوة الاندلس البحرية وتبادلوا الخبرات معها.

كما أوعز الامام غسان بن عبد الله اليحمدي بإنشاء أسطول حربي والتصدي للقرصنة الهندية على سواحل عُمان بعد أن هاجمها القراصنة وخربوا سواحلها؛ واوعز ببناء مزيد من السفن لحماية السواحل ولاحق القراصنة الى سواحل الهند وبلاد فارس في العصر العباسي.

وتطور الاسطول العُماني وبلغ تعداد سفنه (300) سفينة استطاعت تخليص جزيرة سوقطرة ( قبالة ساحل اليمن ) من سيطرة الاحباش . وقد ساهم الاسطول العُماني قي حملة يوسف الوجيه الى البصرة وفي الدفاع عن عُمان خلال الحرب مع بني بويه .

وبلغت البحرية العُمانية أوجها في العصر العباسي وكانت تسيطر على مراكز التجارة البحرية من الصين والهند شرقا الى العراق والخليج العربي وسواحل أفريقيا الى شبه الجزيرة الايبيرية ( الاندلس ) ودرج آنذاك المثل السائر ( من تعذر عليه الرزق فعليه بعُمان ) .

وعرفت حركة الملاحة العُمانية انتظامها مع سواحل أفريقيا الشرقية منذ القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي وكانت تسير في قوافل لا تقل عن ( 16) سفينة وتتاجر بالذهب والحديد .

تلقى الاسطول العُماني ضربة قوية من الاسطول البرتغالي في خور جراما " في المياه العميقة على الساحل الشرقي للسلطنة في ولاية صور قرب راس الحد " عام 1507م وأغرق الفونسو البو كيرك ؛ الاسطول العُماني ثم طفق العمانيون يبنون أسطولهم من جديد ؛ وضاعفوا أعداد واحجام سفنهم وتصدو ببسالة للأسطول البرتغالي بدء من 1624م وتمكنوا من مهاجمة الاسطول البرتغالي في مسقط وبعد انهيار الاسرة النبهانية وتولي اليعاربة سعى السلطان سيف بن سلطان اليعربي الى إعداد اسطول بحري قوي تمكن به من التصدي للأسطول البرتغالي وبدأت مرحلة جديدة من تاريخ البحرية العُمانية بعد تحرير مسقط من البرتغاليين واستولى اليعاربة على العديد من السفن البرتغالية واضافوها الى اسطولهم وطوروا صناعتهم للسفن على ضوء طريقة تصميم السفن البرتغالية " ظهر آنذاك الجالبوت : مركب تأثر بالتصميم البرتغالي والاوروبي وأخذ اسمه من المركب البرتغالي ( جالبوتا ) ومن الاسم الأوروبي لمركب ( جولي بوت ) " .

كما تأثرت البحرية العُمانية بطريقة بناء السفن الأوروبية الحديثة التي كانت تجوب المنطقة في ظل التنافس التجاري الهولندي والبريطاني والفرنسي. وبالمقابل أخذ الأوروبيون اسم السفينة العُمانية (الغراب) وهي من أقدم أنواع السفن العُمانية وأصبح اسمها يتردد في الكثير من الكتابات الأوروبية؛ والاسم بالطبع مرتبط بلون السفينة الأسود: مثل الغراب)

ويذكر أن العرب المسلمين من الجزيرة العربية كانوا يسيطرون على تجارة الهند والشرق الأقصى عند قدوم البرتغاليين الى الهند وحاولوا استعادة مركزهم بعد هزيمة البرتغاليين وتراجعهم.

واستطاع العُمانيون الحاق هزيمة قاسية بالهولنديين الذين قدموا للمنطقة بعد انحسار النفوذ البرتغالي وأفاد العمانيون من تنافس القوى الأوروبية في المنطقة بتوطيد نفوذهم في الهند وسواحل الهند الغربية وجزر المحيط الهندي وشواطئ إفريقية الشرقية والجنوبية ( سواحل مقديشو وممباسا وزنجبار وبمبا وبحر العرب ومشارف وادي الاندلس وإقامة علاقات تجارية واسعه مع هذه المناطق .

وفي عهد دولة البوسعيد ، التي أعقبت اليعاربة تطور الاسطول العُماني كثيرا وخاصة في عهد مؤسسها احمد بن سعيد واستخدم الاسطول في نجدة أهالي البصرة 1749م ومطاردة القراصنة على سواحل مالابار ؛ كما امتد نفوذ البحرية العُمانية الى سواحل البحر الأحمر والبحر المتوسط والمحيط الأطلسي واستمرت هذه المرحلة من مراحل تطور الاسطول العُماني مدة قرنين لاحقين .

القرن التاسع عشر

تطور الاسطول والقوة البحرية في عُمان كثيرا خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر إذ عُدً من اكبر الاساطيل في الخليج العربي والمحيط الهندي وكان السلطان سعيد بن سلطان ( 1804- 1856م ) شغفا بركوب البحر ومتطلعا لزيادة مساحة دولته وشجاعا في مواجهة الأعداء والمتمردين على سلطته . وعمل السلطان على رفد اسطوله بالسفن الحربية والتجارية الكبيرة وزيادة عدد أحواض بناء السفن في عُمان والهند ( بومباي ) على حد سواء ؛ كما انه اشترى سفنا أوروبية حديثة واستطاع من خلال كل ذلك ان يتوسع في الفتح ، وخاصة في شرق افريقيا ، ويواجه الأعداء ويطور تجارته الخارجية ويحمي التجارة العُمانية عبر البحار . وكان الاسطول العُماني في عهده ثاني أكبر أسطول في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي ؛ بعد الاسطول البريطاني وكان الأخير يخشى الاسطول العُماني وقد أشارت الوثائق البريطانية الى قلق السلطات البريطانية من تعاظم القوة البحرية العُمانية خلال القرن التاسع عشر ودفع ذلك الحكومة البريطانية الى عقد اتفاقية مع السلطان عام 1839م . وقد سيطرت عُمان في عهد السلطان سعيد بن سلطان على مناطق شاسعة في الخليج العربي وجنوب ايران وبلوشستان وصولا الى ساحل افريقيا الشرقي ومدغشقر.

وكان السلطان حريصا بصورة شخصية، على الاهتمام بالأسطول؛ خاصة وان السلطان اشتهر بانه ( السيد البحار ) لأنه يُكثر من السفر بحرا ولمسافات طويلة على متن سفينته الخاصة ( شاه علم ) ؛ فضلا عن امتلاكه شخصيا عشرين سفينة يستخدمها في تجارته الخاصة وربما كان اهتمام السلطان متأثر أيضا بالصراعات والحروب والقرصنة التي شهدتها المنطقة .

واشتهرت خلال هذه المدة موانئ عُمانية منها: مسقط ومطرح وصور وشناص " ثغر الباطنة " وجزيرة مصيرة . كما ان البحرية العُمانية تموضعت في موانئ بندر عباس (المطلة على خليج هرمز وجنوب ايران حاليا) وجاسك (الواقعة على خليج عُمان وجنوب ايران حاليا والميناء الإيراني الهام لتصدير النفط حاليا) وشامل وسيات وكنجة وجزيرة قشم ( قسم او جسم لأنها جزيرة طويلة على مدخل الخليج العربي في مضيق هرمز و لارك ( جزيرة على الساحل الشرقي لمضيق هرمز ) .

وكان للبحرية العُمانية دور دبلوماسي ؛ حيث أقلت السفينة ( سلطانة ) مبعوث السلطان سعيد الى الولايات المتحدة ووصلت السفينة العُمانية الى نيويورك في العام 1840م ، بعد سبع سنوات من عقد المعاهدة بين البلدين في العام 1833م ؛ ورست السفينة الحربية العُمانية ( كارولين ) في ميناء مرسيليا عام 1849م في زيارة دبلوماسية الى فرنسا لتوطيد العلاقات التجارية معها .

خلال القرن العشرين اهتم السلطان قابوس – رحمه الله – بالبحرية العُمانية التي كانت تملك قطع بحرية صغيرة نسبيا وخفيفة التسليح واستطاع عقد اتفاقيات مع دول عدة لرفد البحرية العُمانية بعدد من السفن الكبيرة حسنة التسليح فأضيف للبحرية العُمانية منذ 1970م سفن مثل : ( قاهر الأمواج ، المنصور ، البشرى وسواها ) وجميعها سفن حديثة تمتلك قدرات دفاعية عالية .

عوامل نجاح الاسطول العُماني

-السواحل العُمانية التي تمتد على طول بلغ 3165 كلم من مضيق هرمز شمالا الى حدود اليمن جنوبا وتطل على بحار ثلاثة هي: بحر العرب، بحر عُمان والخليج العربي والموانئ الطبيعية على هذه السواحل .

-توفر المواد الخام الأساسية التي تدخل في صناعة السفن منذ ازمان بعيدة ومنها: الخشب " القرط والسدر " الذي يؤخذ من شجر السنط الصلب؛ الذي ينمو في عُمان نفسها وكذلك توفر خامات النحاس والحبال المأخوذة من قشر جوز الهند المتوفرة محليا؛ والحصول على خشب الساج من الهند لاحقا .

-الخبرة التراكمية للسلطنة في مجال البحرية وصناعة السفن والتجارة البحرية على اختلاف أنواعها وعلى مر العصور.

-استخدام العلوم المختلفة في تطوير هذه الصناعة وفي ارتياد البحار والصلات العلمية التي وثق عراها العُمانيون مع الأمم المختلفة .

-القوة البحرية الحربية المرافقة التي تحمي الاسطول التجاري العُماني والساحل العُماني ومناطق نفوذ عُمان من مختلف القوى المعادية او المنافسة .

-التسهيلات البحرية التي وفرها العُمانيون في موانئهم البحرية للقادمين بحرا الى عُمان والمساعدات وكرم ضيافتهم.