تتحول بقايا ثمار الزيتون بعد عملية العصر في معاصر جنوب لبنان الى كنز من الطاقة البديلة التي تعتمد عليها العائلات لمواجهة صقيع الشتاء بعيدا عن تكاليف الوقود التقليدي المرتفعة والمكلفة.
واوضحت المعطيات الميدانية ان عملية استخراج الزيت تترك خلفها كميات كبيرة من لب وقشور ونوى الثمرة المعروفة محليا بالجفت، حيث يتم تجميع هذه المخلفات ونقلها بعيدا عن التجمعات السكنية لتبدأ رحلة التحول.
وبين القائمون على هذه العملية ان الجفت يترك تحت اشعة الشمس لفترة كافية حتى يفقد رطوبته تماما، ثم يدخل في دورة تصنيع ميكانيكية تحوله الى قطع صلبة صالحة للاحتراق داخل مدافئ المنازل.
رحلة التحول من المخلفات الى الطاقة
واضاف محمود نوير صاحب معصرة في بلدة ميمس ان فلسفة العمل تقوم على مبدأ الاستفادة القصوى من كل جزء في شجرة الزيتون، وهي تجربة رائدة بدات في المنطقة منذ عقدين من الزمن.
واكد ان عملية التجفيف تعتمد كليا على الطبيعة، وبعد جفاف الجفت يتم ادخاله الى آلات ضغط خاصة تعمل بمحركات كهربائية، ليخرج على شكل اسطوانات منتظمة يبلغ طول القطعة الواحدة منها عشرين سنتيمترا.
وذكر ان القطع المنتجة يتم تخزينها في اقفاص واقية لحمايتها من الرطوبة والاتربة، ثم تعبئتها في اكياس او صناديق كرتونية مخصصة للبيع، حيث تحتوي كل عبوة على عدد محدد من القطع الجاهزة للاستخدام.
اقتصاديات التدفئة في زمن الازمات
واشار نوير الى ان المزارعين يحصلون على حصتهم من الجفت باعتباره جزءا اصيلا من محصولهم، حيث يتم تقدير الكمية بنحو خمسة وعشرين الى ثلاثين بالمئة من اجمالي وزن الزيتون الذي يتم عصره بالموسم.
واوضح ان القطعة الاسطوانية الواحدة قادرة على الاحتراق لمدة ساعة كاملة، بينما يمكن للمدافئ المزودة بمداخن استيعاب كميات اكبر، مما يوفر دفئا مستداما للعائلات اللبنانية طوال ساعات الليل والنهار في فصل الشتاء.
واكد ان زيادة الطلب على الجفت تعود الى ارتفاع تكاليف المازوت والحطب، اضافة الى الظروف الامنية التي منعت تجار الحطب من الوصول الى الاحراج، مما جعل من الجفت بديلا اقتصاديا آمنا ومتاحا.
توسيع نطاق الانتشار والجدوى الاقتصادية
وبين ان زبائن الجفت لم يعودوا مقتصرين على اهالي المنطقة، بل باتوا يأتون من مناطق بعيدة كزحلة وبعلبك والمتن، نتيجة تجربتهم الناجحة لهذا النوع من الوقود الذي يغني عن شراء المشتقات النفطية الغالية.
واضاف ان تكلفة الانتاج تتضمن اجور العمال واستهلاك المولدات الكهربائية والمازوت اللازم للتشغيل، ورغم ذلك يظل الجفت خيارا مربحا للمستهلك، وموردا اضافيا يعزز من استدامة المنظومة الزراعية في جنوب لبنان وحاصبيا تحديدا.
واكد في ختام حديثه ان شجرة الزيتون لا تترك خلفها نفايات، بل تظل حلقة متصلة من الانتاج، حيث يتحول ما كان يمثل عبئا على المعصرة الى خدمة للمزارع، ووقود للتدفئة، ومصدر رزق مستدام.
