مهند الهندي / دبي
في كل مجلس، يطلّ أبو العرّيف دون دعوة، ولا ينتظر دوره في الحديث، لأنه – ببساطة – يعتقد أنه يملك مفاتيح الكون. تراه خبيراً في السياسة، محللاً اقتصادياً، طبيباً عند الحاجة، ومؤرخاً إذا لزم الأمر. يرتفع صوته بثقة، وتخرج عبارته الشهيرة “خذ مني” وكأنها ختمٌ رسمي للحقيقة، بينما هي في واقع الأمر بداية انهيار المنطق. أبو العرّيف لا يناقش، بل يُملي، لا يتحاور بل يفرض روايته، حتى وإن كانت بلا أصل أو مصدر أو عقل. وإذا ما حاولت أن تضع أمامه دليلاً أو مرجعاً أو حتى منطقاً بسيطاً، فاستعد لواحدة من ثلاث: إما رفع الصوت، أو تحويل النقاش إلى جدل شخصي، أو الهروب إلى موضوع آخر، لكنه في جميع الأحوال لن يعترف ولن يتراجع.
في ثقافتنا اليومية، أصبحت عبارة “خذ مني” مرادفاً للثقة المطلقة، لكنها حين تصدر من أبو العرّيف تتحول إلى إعلان صريح عن غياب الحقيقة. فهي ليست تأكيداً بقدر ما هي تعويض عن غياب الدليل، وليست معلومة بقدر ما هي محاولة لفرض رأي. والأغرب أن بعض الحاضرين يدركون تماماً أن ما يُقال أمامهم غير صحيح، ومع ذلك يسايرون، يوافقون، وربما يصفقون، لا اقتناعاً، بل لأن الصوت العالي في كثير من الأحيان ينتصر على الصوت الصحيح.
أخطر ما في شخصية أبو العرّيف أنه لا يستند إلى جهل بسيط يمكن معالجته، بل إلى ثقة مفرطة مبنية على لا شيء. معلوماته تُستمد من “سمعت” و”يقال” و”واحد حكى لي”، وأحياناً من مقاطع مشبوهة أو تحليلات بلا مصدر، والمشكلة لا تقف عند هذا الحد، بل تتجلى في إصراره العجيب على الخطأ، حتى بعد أن تُعرض عليه الحقيقة كاملة. عندها تشعر أنك لا تناقش إنساناً، بل تواجه جداراً صلباً يخشى الاعتراف، لأن التراجع في نظره هزيمة، رغم أن الاعتراف بالخطأ هو قمة النضج.
المفارقة المؤلمة أن أبو العرّيف لم يعد مجرد شخصية هامشية في المجالس، بل أصبح في بعض الأحيان صاحب تأثير، قد يكون مالكاً لنفوذ مالي، أو صاحب منصب، أو حضور اجتماعي، فيُمنح مساحة أكبر وثقة لا يستحقها. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، حين يُصدّق الناس الخطأ لا لأنه صحيح، بل لأن قائله “مهم”، فتتحول المعلومة المغلوطة إلى “حقيقة متداولة”، ويصبح التصحيح وكأنه خروج عن الإجماع.
كم مرة سمعنا تحليلاً “أكيداً” من أبو العرّيف، ثم اكتشفنا بعد أيام أو أسابيع أن كل ما قيل كان هباءً منثوراً؟ وكم مرة بُنيت آراء واتُخذت مواقف وربما أُطلقت أحكام استناداً إلى كلام لا أصل له؟ هذه ليست مجرد مواقف عابرة، بل انعكاس لثقافة تتساهل مع المعلومة وتُقدّس الثقة الزائفة.
قد نضحك من أبو العرّيف ونعتبره مادة للتندر في المجالس، لكن الحقيقة أنه أخطر مما يبدو، لأنه لا ينشر الجهل فقط، بل يُضعف قيمة المعرفة ويُشوّه معنى الحقيقة، ويجعل من الصعب على الإنسان البسيط أن يميّز بين المعلومة والرأي، بين الحقيقة والصوت الأعلى.
وفي زمن تتدفق فيه المعلومات من كل اتجاه، لم يعد الخطر في قلة المعرفة، بل في الثقة العمياء بالمعلومة الخاطئة، وهنا نعود إلى القاعدة القرانيه الذهبية التي لا تسقط أبدا بسم الله الرحمن الرحيم : “يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين.” فالتثبت لم يعد خياراً بل ضرورة، والوعي لم يعد رفاهية بل مسؤولية. أما أبو العرّيف فسيبقى موجوداً في كل زمان ومكان، لكن الفرق الحقيقي ليس في وجوده، بل في موقفنا منه: هل نصدّقه، أم نحسن الاستماع…اونُحسن التمييز.
فليس كل من تحدّث عالِم، ولا كل من رفع صوته مُحق، ولا كل عبارة تبدأ بـ “خذ مني” تستحق أن تُؤخذ.
المجالس لا تُقاس بكثرة الكلام، بل بجودة ما يُقال، والعقول لا تُختبر بقدرتها على فرض الرأي، بل بقدرتها على مراجعته. فالعاقل لا يخجل من قول “لا أعلم”، ولا يرى في التراجع نقصاً، بل ارتقاء.
أما نحن، فمسؤوليتنا أكبر من مجرد الاستماع، مسؤوليتنا أن نكسر دائرة المجاملة الصامتة، وأن نعيد الاعتبار للكلمة الصادقة، وللمعلومة الموثوقة، وللنقاش القائم على الفهم لا على الغلبة.
لأن أخطر ما في “أبو العرّيف” ليس أنه يتكلم…
بل أن يجد من يُصغي إليه دون تفكير
