حذر الخبير الاقتصادي عامر الشوبكي من تداعيات التصعيد العسكري في المنطقة على أسواق الطاقة والاقتصادات العالمية، داعيا الأردن ودول المنطقة إلى الاستعداد المبكر لسيناريوهات أكثر صعوبة خلال الأشهر المقبلة، في ظل تصاعد المخاطر على حركة الملاحة في مضيق هرمز، واستهداف السفن، والتهديدات التي تطال منشآت الطاقة.
وقال الشوبكي إن تطورات الحرب واضطرابات الشحن البحري تضع أسواق النفط والمشتقات النفطية أمام مرحلة شديدة الحساسية، مع احتمال انتقال آثار التصعيد من منطقة الخليج إلى أوروبا وبقية الأسواق العالمية، وصولا إلى الاقتصادات العربية التي تعتمد على استيراد جانب من احتياجاتها من الطاقة والغذاء.
وبحسب الشوبكي، فإن استهداف 18 سفينة خلال أسبوعين، وفق ما أورده في تحذيراته، يعكس تصاعد المخاطر التي تواجه حركة الشحن البحري، في تطور يهدد بزيادة كلف النقل والتأمين، ويضع إمدادات الطاقة أمام تحديات إضافية، خصوصا إذا استمرت الهجمات واتسعت رقعة المواجهة.
وأشار إلى أن عودة التصعيد إلى مضيق هرمز، بالتزامن مع الحديث عن استهداف منشآت نفطية في المنطقة، ترفع مستوى القلق بشأن استقرار الإمدادات، إذ لا تقتصر آثار هذه التطورات على أسعار النفط الخام، بل تمتد إلى الديزل الذي يشكل عنصرا أساسيا في تشغيل قطاعات النقل والزراعة والصناعة والخدمات اللوجستية.
من مضيق هرمز إلى أسعار الديزل.. كيف تصل كلفة الحرب إلى جيوب المواطنين؟
وأوضح الشوبكي أن اضطرابات الشحن لا تعني بالضرورة نقص الإمدادات فقط، بل قد تؤدي أيضا إلى ارتفاع الكلفة النهائية للسلع والخدمات، نتيجة زيادة أجور النقل البحري والتأمين، وتغير مسارات السفن، وارتفاع كلفة وصول الشحنات إلى الأسواق المستهلكة.
ولفت إلى أن الديزل يعد من أكثر المشتقات النفطية ارتباطا بالحياة اليومية والنشاط الاقتصادي، نظرا لاستخدامه الواسع في نقل البضائع وتشغيل الشاحنات والآليات والمعدات الزراعية والصناعية، ما يجعل ارتفاع أسعاره عاملا مؤثرا في كلفة الإنتاج والتوزيع، ثم في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية.
وبين أن انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى الأسواق لا يحدث بالضرورة بصورة فورية أو متساوية، إذ يعتمد حجم التأثير على مدة الاضطرابات، وحجم الإمدادات المتاحة، ومخزونات الدول، وكلفة الشحن والتأمين، وقدرة الأسواق على إيجاد مصادر بديلة.
وحذر الشوبكي من أن استمرار التصعيد قد يضع الاقتصاد العالمي أمام ضغوط متزامنة، تجمع بين ارتفاع كلف الطاقة والنقل، وتزايد المخاوف التضخمية، وتراجع قدرة الأسر على تحمل النفقات، مشيرا إلى أن آثار الحرب قد تتجاوز الدول القريبة من مناطق المواجهة لتطال اقتصادات بعيدة جغرافيا لكنها مرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية.
وفي هذا السياق، أشار الشوبكي إلى تقديرات تتحدث عن تحمل الأسرة الأمريكية كلفة إضافية تصل إلى نحو ألفي دولار نتيجة تداعيات الحرب، في مؤشر على حجم العبء الذي يمكن أن تفرضه اضطرابات الطاقة والأسعار على المستهلكين، مع ضرورة ارتباط هذه التقديرات بالفترة الزمنية والافتراضات التي بنيت عليها.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الطاقة يضع الحكومات أمام معادلة صعبة، تتمثل في احتواء التضخم وحماية القدرة الشرائية للمواطنين، بالتزامن مع المحافظة على استقرار الأسواق وضمان استمرار تدفق الإمدادات.
الشوبكي: الأردن مطالب بتأمين الطاقة والغذاء والماء قبل اتساع الأزمة
وعلى المستوى المحلي، دعا الشوبكي الأردن إلى التعامل مع التطورات الإقليمية باعتبارها مخاطر اقتصادية تستدعي استعدادا مبكرا، وليس مجرد ارتفاعات محتملة في أسعار النفط، مؤكدا أهمية وضع أمن الطاقة والغذاء والماء في مقدمة الأولويات خلال الأشهر المقبلة.
وقال إن الأردن لا يملك قرار الحرب، لكنه يستطيع الحد من تداعياتها من خلال تعزيز الجاهزية الاقتصادية، وتوسيع البدائل، ومراجعة الاحتياجات الاستراتيجية، بما يقلل تعرض الأسواق المحلية للصدمات الخارجية.
وشدد على أهمية تعزيز المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية، وتنويع مصادر استيراد الطاقة وطرق التزويد، ودراسة البدائل المتاحة للنقل والإمداد، إلى جانب دعم الإنتاج المحلي بصورة واقعية ومدروسة، بما يسهم في تقليل الاعتماد على المسارات والأسواق الأكثر عرضة للاضطرابات.
وأشار إلى أن تنويع مصادر الإمداد لا يقتصر على البحث عن موردين جدد، بل يشمل أيضا بناء خيارات متعددة للتوريد والنقل والتخزين، حتى لا تصبح الدولة رهينة مسار واحد أو مصدر واحد عندما تتعرض المنطقة لأزمة مفاجئة.
وفي حديثه عن تجارب دول الخليج، لفت الشوبكي إلى أن تعزيز المرونة الاقتصادية يرتبط بقدرة الدول على تأمين صادراتها، وتوسيع إنتاجها، وتنويع استثماراتها ومواقع إمدادها، بما يساعد على استمرار النشاط الاقتصادي حتى في ظل الظروف الاستثنائية.
وأضاف أن المنتج يحتاج إلى ضمان وصول صادراته إلى الأسواق، فيما يحتاج المستورد إلى تأمين الطاقة والغذاء بكلفة يمكن للاقتصاد والمواطنين تحملها، ما يجعل حماية طرق التجارة وتوسيع البدائل مصلحة مشتركة لدول المنطقة.
وأكد الشوبكي أن اختلاف الموارد والإمكانات بين دول المنطقة لا يلغي أهمية الاستعداد المشترك، مشيرا إلى أن الدول التي تمتلك خيارات أوسع في مصادر الطاقة والغذاء والنقل تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات، وأقل عرضة لانتقال الأزمات الخارجية إلى حياة المواطنين بصورة حادة.
وختم بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستعداد للاحتمالات المختلفة، وعدم انتظار وصول آثار الأزمة إلى الأسواق المحلية قبل التحرك، لأن تأمين الإمدادات وتنويع البدائل وتعزيز المخزون الاستراتيجي يحتاج إلى وقت وتخطيط مسبق.
وقال الشوبكي إن الاستعداد المبكر لا يعني الجزم بوقوع السيناريو الأسوأ، لكنه يمثل ضرورة اقتصادية في ظل حالة عدم اليقين، مضيفا أن حماية الاقتصاد الوطني تبدأ بتوسيع الخيارات المتاحة أمام الدولة، وتعزيز قدرتها على التعامل مع الأزمات التي لا تملك قرار اندلاعها، لكنها تستطيع الحد من آثارها على المواطنين.
