تمر اليوم ذكرى مرور ثلاث سنوات على احداث السابع من اكتوبر التي اشعلت فتيل صراع دام في قطاع غزة، حيث اعادت هذه الحرب رسم الخارطة السياسية والامنية في الشرق الاوسط بشكل جذري. واكد مراقبون ان هذا التاريخ شكل نقطة تحول مفصلية في مسار القضية الفلسطينية التي عادت لتتصدر اهتمامات المجتمع الدولي، بينما لا تزال تداعيات تلك المواجهات العسكرية تلقي بظلالها الثقيلة على كافة الاصعدة الانسانية والسياسية.
واضافت الاحداث ان الهجوم الذي شنته حركة حماس على المستوطنات المحاذية للقطاع قوبل برد عسكري عنيف خلف عشرات الالاف من الضحايا ودمارا هائلا في البنية التحتية، ورغم دخول اتفاق وقف اطلاق النار حيز التنفيذ لاحقا، الا ان الملفات العالقة المتعلقة بمصير غزة وسلاح الفصائل والانسحاب الاسرائيلي الكامل لا تزال معلقة دون حلول حقيقية تلوح في الافق القريب.
وبينت تقارير دولية ان عملية تبادل الاسرى والمحتجزين التي تمت خلال الفترة الماضية قد اكتملت، لكنها لم تكن كافية لانهاء الازمة الانسانية المتفاقمة، حيث يواجه سكان القطاع واقعا مريرا في ظل غياب رؤية واضحة حول ادارة غزة في مرحلة ما بعد الحرب او كيفية البدء في مشاريع الاعمار الكبرى التي تتطلب توافقات سياسية دولية واقليمية معقدة للغاية.
واقع الدمار البشري والعمراني في غزة
وكشفت بيانات وزارة الصحة في غزة عن ارقام مفزعة لضحايا الحرب التي تجاوزت عشرات الالاف من الشهداء والجرحى، فيما تظهر تقديرات الامم المتحدة ان اكثر من ثمانين بالمئة من المنشات الحيوية تعرضت لاضرار جسيمة، مما جعل غالبية المستشفيات والمدارس خارج الخدمة تماما، وهو ما يضع المجتمع الدولي امام مسؤولية اخلاقية كبرى تجاه سكان القطاع الذين يعانون من نقص حاد في الاحتياجات الاساسية.
واوضحت التقييمات المشتركة للبنك الدولي والاتحاد الاوروبي ان حجم الدمار المادي يتطلب مليارات الدولارات لاعادة الاعمار خلال العقد القادم، غير ان هذه المهمة لا تقتصر على التمويل المالي فقط، بل تستلزم توفير بيئة امنة تسمح بدخول مواد البناء وازالة الركام والذخائر غير المنفجرة التي تنتشر بين الانقاض، وهو ما يمثل تحديا لوجستيا وسياسيا كبيرا يتجاوز قدرات المؤسسات الاغاثية الحالية في القطاع.
واشار خبراء الى ان الاف الفلسطينيين يعيشون حاليا في مبان متضررة وغير امنة تهدد حياتهم بالخطر، مع وجود الاف الوحدات السكنية التي تحتاج الى هدم واعادة بناء، مما يفاقم من ازمة النزوح الداخلي ويجعل من استعادة الحياة الطبيعية في غزة هدفا بعيد المنال في ظل غياب استقرار سياسي دائم يضمن سلامة المدنيين ويحمي ما تبقى من بنية تحتية متهالكة.
التداعيات الاقليمية والسياسية للصراع
واكدت التطورات الميدانية ان الحرب لم تبق محصورة داخل حدود غزة، بل امتدت لتشمل جبهات اقليمية اخرى في لبنان والبحر الاحمر، مما ادى الى تغيير قواعد الاشتباك في المنطقة وجعل ايران طرفا فاعلا في الحسابات الامنية الاقليمية، حيث ساهمت هذه التوترات في تعقيد المشهد العام وزيادة احتمالات التصعيد في ظل غياب تسوية نهائية للصراع القائم بين اسرائيل والفصائل الفلسطينية المسلحة.
وذكرت تقارير سياسية ان اسرائيل تعيش حالة من الصدمة الامنية والسياسية التي دفعت نحو اجراء مراجعات شاملة لاداء المؤسسة العسكرية والحكومية، لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات العامة، فيما تواصل المحاكم الدولية النظر في قضايا مرفوعة ضد مسؤولين اسرائيليين بتهم ارتكاب جرائم حرب، مما يعزز من العزلة الدولية التي تواجهها تل ابيب في المحافل العالمية بعد سنوات من الحرب المستمرة.
واختتم المحللون بالقول ان الاختبار الحقيقي للسنوات المقبلة يتمثل في القدرة على تحويل اتفاق وقف اطلاق النار الهش الى مسار سياسي مستدام يعالج جذور الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، فبدون حل جذري لقضايا السيادة والادارة والامن، سيبقى مستقبل غزة رهينة للتجاذبات الاقليمية التي لا تخدم استقرار المنطقة ولا تحقق تطلعات الشعب الفلسطيني في العيش بكرامة وامن على ارضه.
