يعيش الشباب المسلم اليوم وسط فيض من المعلومات والخيارات الرقمية التي تفرض نفسها على الشاشة دون استئذان. هذا الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية تشكيل الوعي واختيار المسار الصحيح وسط ضجيج الخوارزميات المتواصل.
واستعرض مؤتمر قيادة المنظم في قطر التحديات التي تواجه جيل الشباب في عالم متغير. حيث ركزت الفعاليات على تعزيز الهوية الإيمانية وتنمية المهارات القيادية لدى الفئة العمرية الشابة وسط تحديات العصر الرقمي.
وبين المشاركون في المؤتمر أن الاعتماد الكلي على الهاتف الذكي بات يمثل تحديا حقيقيا للوعي الذاتي. إذ يجد الشاب نفسه أحيانا رهينة لما تعرضه المنصات بدلا من أن يكون هو صاحب القرار في الاختيار.
صناعة الأثر في العالم الرقمي
وكشفت تجارب الطلاب أن التطور الرقمي يفتح آفاقا واسعة للتعلم وصناعة الأثر. غير أن الضغط الناتج عن كثرة المقارنات يضع الشباب أمام تحدي معرفة الخيارات الحقيقية التي تستحق بذل الوقت والجهد الشخصي.
وأكدت هيام عبيد أن المقارنة المستمرة بين حياة الآخرين المعروضة على الشاشات والواقع الشخصي قد تسبب شعورا زائفاً بالتأخر. مشددة على أن اختلاف التوقيت بين الأفراد لا يعني بالضرورة تراجع القيمة أو المسار.
واضافت أن سهولة الوصول للمعلومات لم تجعل الحياة أسهل. بل زادت من تعقيد عملية إثبات الذات. داعية إلى فهم أن تجربة مسارات جديدة لا تعني أبدا التخلي عن القيم التي تعلمها الجيل السابق.
الأسرة ودورها في عصر الذكاء الاصطناعي
وأوضح الدكتور عثمان عمرجي أن الأسرة تظل الركيزة الأساسية في تشكيل الهوية. مع ضرورة تطوير أساليب التربية لتواكب التحولات الرقمية. فالذكاء الاصطناعي أصبح يزاحم الأهل في تقديم الإجابات السريعة والجاهزة للشباب.
وشدد عمرجي على أن الاعتماد المفرط على الأدوات التقنية قد يضعف مهارات التفكير النقدي. مبينا أن الشباب بحاجة ماسة إلى مرشدين بشريين يساعدونهم على تحليل الإجابات وفهم سياقاتها بدلا من الاكتفاء بتلقي المعلومات الجاهزة.
واكد أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية الحفاظ على التفاعل الإنساني العميق. بعيدا عن الإجابات الآلية التي قد تفتقر إلى الحكمة والتربية التي يحتاجها الشاب في مرحلة بناء هويته الفكرية والشخصية.
عمق العلاقات في زمن الشاشات
وكشفت الدكتورة حنان القطان أن كثرة الاتصال الرقمي لا تعني بالضرورة وجود تواصل حقيقي. فالوحدة تظهر بوضوح عند وجود فجوة كبيرة بين العلاقات التي يطمح إليها الإنسان وبين ما يعيشه فعليا على أرض الواقع.
وتابعت القطان أن المقارنة عبر منصات التواصل تؤدي إلى قراءة خاطئة للذات. مشيرة إلى أهمية تسمية المشاعر بدقة. فليس كل ضيق عابر يعني اضطرابا نفسيا. بل هو جزء من تجربة الحياة التي تستدعي الفهم.
وبينت أن الحل لا يكمن في اعتزال التكنولوجيا بل في استعادة السيطرة عليها. من خلال تخصيص أوقات محددة بعيدا عن الشاشات لبناء علاقات واقعية وتعميق الروابط الإنسانية التي تدعم الصحة النفسية والنمو الشخصي.
المرجعية الدينية والمشاركة الفاعلة
واوضح الشيخ علي حمودة أن الحفاظ على المرجعية الدينية لا يعني الانعزال. بل يبدأ بتعزيز الصلة بالله وفهم الدين بعمق. مما يجعل هذه المرجعية ميزانا دقيقا يساعد الشاب في قبول الأفكار أو رفضها.
واضاف أن الخطاب الديني يحتاج إلى تجديد آلياته ليواكب تساؤلات الشباب الحقيقية. إذ يتطلب الأمر توفير مساحات آمنة للحوار. حيث لا يكتفي الشاب بالبحث عن أحكام شرعية بل عن إجابات مقنعة لأسئلته الوجودية.
وشدد في ختام حديثه على أهمية الإصغاء للشباب وفهم ما وراء أسئلتهم. فتقديم الدليل العلمي والمناقشة الهادئة يساهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على الإسهام في الواقع بوعي وثقة دون أن تفقد هويتها.
