مع اقتراب موعد انعقاد الدورة العادية الثالثة لمجلس الامة، يعود مشروع قانون الضمان الاجتماعي المعدل الى المشهد التشريعي، لكن هذه المرة وسط ملف اكثر تعقيدا من مجرد مناقشة مواد قانونية، بعدما تراكمت خلال المرحلة السابقة ملاحظات نيابية ومقترحات تتعلق بالتقاعد المبكر، وسن التقاعد، واحتساب الرواتب التقاعدية، ومدة الاشتراك، ومستقبل الاستدامة المالية لمؤسسة الضمان الاجتماعي.
وتكتسب عودة المشروع اهميتها من طبيعة القضايا التي يتعامل معها، فاي تغيير في شروط التقاعد او الاشتراك لا ينعكس على المؤمن عليه في المدى القصير فقط، بل يمكن ان يمتد اثره الى سنوات طويلة من حياته الوظيفية وما بعدها، وهو ما يجعل تفاصيل القانون موضع اهتمام مباشر من العاملين والمتقاعدين واصحاب العمل.
ومن المتوقع ان تبدأ الدورة العادية الثالثة في الثلث الاخير من تشرين الاول المقبل، ليجد مجلس النواب امامه مشروعا سبق ان دخل مرحلة النقاش تحت القبة، وخضع لبحث موسع داخل لجنة العمل والتنمية الاجتماعية والسكان خلال الدورة الماضية.
وكان المجلس قد ناقش مشروع القانون في القراءة الاولى، قبل احالته الى اللجنة المختصة التي تولت دراسة مواده وفتحت نقاشا مع الجهات ذات العلاقة، وانتهت الى مجموعة من الملاحظات والمقترحات التي لم تتحول الى صيغة نهائية، بانتظار تقييم اثارها المختلفة.
ولا يعني انتهاء الدورة السابقة ان المشروع سيستأنف بالضرورة من النقطة التي توقف عندها، خصوصا ان انتخابات اللجان النيابية تعاد مع بداية الدورة الجديدة، ما يفتح الباب امام تغير في تركيبة لجنة العمل او رئاستها، وهو ما قد يغير طريقة ادارة النقاش، دون ان يلغي ما تم انجازه في المرحلة السابقة.
فاللجنة الجديدة، اذا تغيرت تركيبتها، ستجد امامها ملفا قطع شوطا في النقاش، وليس مشروعا جديدا يصلها للمرة الاولى، بما في ذلك الملاحظات النيابية والافكار التي طرحت خلال الحوارات السابقة.
مشروع حكومي يوسع دائرة التغيير
وتدور ابرز نقاط المشروع حول منظومة التقاعد والتامينات، اذ يتضمن تعديلات على مدد الاشتراك اللازمة للاستفادة من بعض انواع التقاعد، وتشديدا في شروط التقاعد المبكر، الى جانب رفع سن التقاعد الوجوبي بصورة تدريجية.
كما يتناول المشروع ملفات اخرى مرتبطة بالضمان، من بينها توسيع نطاق الشمول، وتنظيم الانتساب الاختياري، واجراء تعديلات على عدد من التامينات، وفرض اجراءات اكثر صرامة بحق المنشات التي لا تلتزم باحكام الضمان.
وفي جانب اخر، يتضمن المشروع ترتيبات انتقالية لفئات استوفت شروط التقاعد قبل بدء نفاذ التعديلات، اضافة الى رفع الحد الادنى لبعض الرواتب التقاعدية، واجراء تغييرات مرتبطة بادارة مؤسسة الضمان وتعزيز استقلالية ادارتها.
لكن الجزء الاكثر حساسية بالنسبة للمشتركين يبقى مرتبطا بالتقاعد، وتحديدا المدة التي يحتاجها المؤمن عليه للحصول على بعض انواع التقاعد، والضوابط المتعلقة بالتقاعد المبكر، والسن الذي يصبح عنده التقاعد وجوبيا.
فهذه المسائل لا تتعامل معها فئات المؤمن عليهم باعتبارها مجرد مواد قابلة للتعديل، بل تدخل في حسابات مرتبطة بسنوات العمل والدخل المتوقع وموعد الخروج من سوق العمل، ولذلك فان اي تغيير فيها يمكن ان يفرض اعادة حسابات على شريحة واسعة من العاملين.
وتقول الحكومة، في المقابل، ان الاصلاح يرتبط بحاجة مؤسسة الضمان الى الحفاظ على استدامتها المالية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها المستقبلية، في ظل متغيرات ديموغرافية ومالية تؤثر على منظومة التقاعد والتامينات.
وبهذا المعنى، فان جوهر النقاش لا يقتصر على السؤال المتعلق بشروط التقاعد، بل يمتد الى كيفية الحفاظ على توازن بين الالتزامات التي تتحملها المؤسسة حاليا وما سيكون مطلوبا منها تجاه الاجيال المقبلة.
ماذا حدث داخل اللجنة النيابية؟
وخلال الدورة الماضية، اتجه النقاش النيابي الى ملفات اوسع من مجرد تعديل سن التقاعد، حيث بحثت لجنة العمل قضايا تتعلق بطريقة احتساب الراتب التقاعدي، وسقف الاجر الذي تفرض عليه الاشتراكات، ومعامل المنفعة، والتقاعد المبكر، اضافة الى توسيع قاعدة المشمولين بمظلة الضمان.
كما برزت ملفات مكافحة التهرب التاميني ورفع كفاءة التحصيل، الى جانب البحث في كيفية التعامل مع فئات جديدة من العاملين وانماط عمل مختلفة يمكن ان تحتاج الى تنظيم علاقتها بالضمان الاجتماعي.
ومن بين الافكار التي طرحت خلال النقاش، مقترحات مرتبطة بسن التقاعد والية احتساب المنافع لبعض فئات المشتركين، مع التركيز كذلك على اوضاع اصحاب الاجور المنخفضة.
الا ان هذه المقترحات لا يمكن التعامل معها باعتبارها قرارات نهائية، اذ كانت في اطار النقاش النيابي والدراسة، وتحتاج قبل اعتمادها الى معرفة انعكاساتها المالية والاكتوارية ومدى توافقها مع قدرة مؤسسة الضمان على تحمل كلفتها.
وهنا تحديدا تبرز اهمية الدورة المقبلة، فمجلس النواب سيكون امام مشروع حكومي سبق ان خضع للنقاش، وفي الوقت ذاته امام ملاحظات نيابية متراكمة، بينما يمكن ان تتغير مواقف الحكومة نفسها اذا انتهت دراستها السابقة الى الحاجة لتعديل بعض المواد.
كما ان تغيير اعضاء لجنة العمل، في حال حدوثه، قد يضيف الى النقاش رؤى جديدة حول عدد من القضايا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة تجاهل ما قامت به اللجنة السابقة، خصوصا ان الملف بات محملا بدراسات ومقترحات ونقاشات سابقة.
وتتجاوز حساسية قانون الضمان مدة الدورة البرلمانية نفسها، لان القرارات التي تتخذ في هذا المجال لا تظهر نتائجها دفعة واحدة. فقد يقرر مجلس النواب تعديلا اليوم، بينما تظهر نتائجه المالية والاجتماعية بعد سنوات طويلة، وهو ما يجعل اي معالجة تشريعية مرتبطة بافق زمني ابعد من المرحلة السياسية التي اقر فيها القانون.
ولهذا، سيكون امام اللجنة المقبلة تحد مزدوج: التعامل مع مطالب تتعلق بحقوق المشتركين ومكتسباتهم، وفي الوقت نفسه دراسة قدرة مؤسسة الضمان على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها، مع تجنب حلول تعالج مشكلة حالية وتترك اثارا اكبر في المستقبل.
ومن المنتظر ان يتركز جزء كبير من النقاش الشعبي والنيابي حول التقاعد المبكر وسن التقاعد ومدة الاشتراك، بينما ستبقى ملفات اخرى على الطاولة، مثل توسيع قاعدة المشمولين، والحد من التهرب التاميني، وتحسين التحصيل، واعادة تنظيم العلاقة بين ما يدفعه المؤمن عليه وما يحصل عليه من منافع.
وبذلك يدخل مشروع قانون الضمان الاجتماعي الدورة الثالثة وهو يحمل معه نقاشا سابقا لم يحسم كل تفاصيله، ومقترحات نيابية تحتاج الى تقييم، ورؤية حكومية تستند الى اعتبارات الاستدامة، ومخاوف لدى المؤمن عليهم من انعكاس اي تغيير على مستقبلهم التقاعدي.
والنتيجة النهائية ستتوقف على شكل النص الذي سيصل الى مرحلة الحسم بعد استكمال النقاش، وعلى قدرة مجلس النواب والحكومة والجهات المعنية على الوصول الى صيغة تجمع بين حماية حقوق المشتركين والحفاظ على قدرة مؤسسة الضمان على الوفاء بالتزاماتها.
فالقضية في نهاية المطاف لا تتعلق فقط بما اذا كان القانون سيمر او يتغير، بل بما اذا كانت التعديلات التي ستقر ستنجح في معالجة التحديات المالية والهيكلية للمؤسسة، دون ان تتحول كلفة الاصلاح الى عبء غير متوقع على المؤمن عليهم في السنوات المقبلة.
اجعل المقدمة اكثر صدمةاختصر التكرار حول اللجنةقدّم التعديلات في نقاط واضحة
