تحولت جدران دار الثقافة ابن رشيق وسط العاصمة التونسية الى منصة لعرض لوحات ومنحوتات ابدعها متعافون من الادمان، حيث يمثل المعرض تتويجا لرحلة انسانية عميقة تهدف الى استعادة الذات بعيدا عن القيود.
كشفت هذه التجربة الفريدة ان الفن ليس مجرد هواية، بل هو مسار علاجي موازٍ يساعد المتعافين على تحويل مشاعرهم السلبية الى قطع فنية تبرز قدرات كامنة لم يكن اصحابها على دراية بوجودها مطلقا.
واضاف الطبيب والفنان عبد الباسط التواتي ان المبادرة تعتمد على قناعة راسخة بضرورة تعدد مراحل العلاج، موضحا ان الفن ياتي كخطوة لاحقة للتدخل الطبي لتمكين المريض من فهم نفسه واكتشاف مكنونات شخصيته.
الفن كاداة للتعافي من الادمان
وبين التواتي ان المشاركين في ورشات النحت والرسم والخزف تفاجؤوا بمستوى ابداعهم، مؤكدا ان الكثير منهم دخلوا التجربة معتقدين انهم لا يملكون اي موهبة فنية، ليقدموا في النهاية اعمالا فنية مبهرة.
واكد ان الفريق المشرف يعمل على توجيه كل شخص نحو المجال الابداعي الذي يجد فيه ذاته، موضحا ان التجربة تاتي في ظل واقع معقد يتطلب توازنا دقيقا بين المقاربة الامنية والعلاجية الفعالة.
واشار الى ان الاحصائيات الرسمية تظهر تصاعدا في قضايا المخدرات، مما يجعل البحث عن حلول بديلة ومبتكرة مثل العلاج بالفن ضرورة ملحة للمساهمة في خفض الطلب واعادة دمج المتعافين في النسيج المجتمعي.
ترميم الجروح الداخلية للمتعافين
واوضح التواتي ان المدمن يعاني في الغالب من جرح داخلي عميق، مبينا ان الورشات الفنية تساهم في ترميم هذا الشرخ النفسي، معتبرا ان استعادة الثقة بالنفس هي المفتاح الحقيقي لتجاوز مرحلة الخطر.
وشدد على ان التحدي الاصعب يكمن في الخوف من الانتكاسة، موضحا ان رحلة العلاج تتطلب استمرارية ومتابعة دقيقة، حيث تعتبر الاشهر الستة الاولى هي الفترة الاكثر حرجاً في مسار التعافي من الادمان.
واضافت المتعافية وداد ان التجربة احيت فيها حب الحياة، موضحة انها كانت تشعر بالغربة عن ذاتها قبل الانخراط في الفن، مؤكدة ان اكتشاف قدرتها على الابداع اعاد اليها احساسها الفطري بالامومة والمسؤولية.
تجارب ملهمة في مواجهة الياس
وكشفت المتعافية ايمان ان رحلتها مع الادمان بدات بسبب دواء طبي، موضحة انها وصلت الى حافة الياس والتفكير في الانتحار، قبل ان تجد في الرسم وسيلة لاستعادة توازنها النفسي وثقتها المفقودة بنفسها.
واوضحت الدكتورة انديرا راضي ان المعرض يضم انتاجا فنيا مذهلا لاشخاص كانوا على وشك فقدان الامل، مبينة ان هذه التجربة تعد رائدة في تونس والعالم العربي كنموذج علاجي يتجاوز التقليد المعتاد.
واكدت ان هذه الاعمال ليست مجرد قطع فنية، بل هي وثيقة شخصية لمسار طويل من المعاناة، موضحة ان الفن يظل اداة جوهرية لمساعدة المتعافين على المضي قدما في حياتهم بعيدا عن الانتكاس.
